أدى التفجير أيضًا إلى استشهاد رجل الأمن محمد مساط الذي منع الداعشي من الوصول إلى الكنسية.
تصاعد هجمات التنظيم منذ التحرير حتى اليوم في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة يشير بوضوح إلى أن شيئًا كبيرًا يحاك في الخفاء لمحاربة سوريا الجديدة، إذ سجّلت الأجهزة الأمنية السورية أكثر من 30 حادثًا أمنيًا مرتبطًا بتنظيم داعش منذ التحرير، كما ألقت قوات الأمن القبض على أكثر من 50 وقتلت أكثر من 10 من عناصر التنظيم الإرهابي، وذلك بحسب إحصائيات مبدئية رصدتها مما نشرته وزارة الداخلية.
ارتفعت وتيرة هذه العمليات الإرهابية بشكل ملحوظ منذ الربع الأول من عام 2025، بالتزامن مع انطلاق مسار تثبيت الحكم الجديد وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، واللافت أن تنظيم داعش، رغم تنوّع استهدافاته، اختار في هجماته الأعلى رمزية بعد تحرير سوريا عام 2024 استهداف المسيحيين تحديدًا. استهداف كنيسة مار إلياس في دمشق في 22 حزيران 2025 الذي أودى بحياة نحو 25 مدنيًا، ثم الهجوم الأخير قرب كنيسة في حلب، لا يمكن قراءتهما على أنهما حوادث معزولة، بل كجزء من إستراتيجية تهدف إلى إشعال فتنة طائفية عبر ضرب أحد أقدم المكوّنات الدينية في سوريا، بما يهدد النسيج الاجتماعي ويعيد إنتاج خطاب الخوف، إضافة إلى محاصرة نظام الحكم الجديد سياسيًا بتأجيج بعض المكونات في الساحل والسويداء، ومحاولة تدويل المشهد السوري عبر استجلاب غضب الغرب المسيحي، ولا سيما الولايات المتحدة وأوروبا، ودفعها للتدخل أو الضغط السياسي.
كما هدف التنظيم إلى اختبار قدرة الأجهزة الأمنية في العمق الحضري، واختراق الخطوط الحمراء في دمشق وحلب، وإعادة تسويق التنظيم إعلاميًا عبر عمليات ذات صدى عالمي، تعيد اسمه إلى الواجهة بعد تراجع حضوره العسكري.
من له مصلحة في ظهور داعش؟
لا يوجد أفضل من تنظيم داعش لإفشال الحكم الجديد واستنزاف سوريا وخلق مبرر للفوضى الطائفية وتعطيل بناء دولة قوية، وتتنوع الدول والجهات التي لها مصلحة في تدمير سوريا بعد إسقاط نظام الأسد عن طريق استخدام داعش.
أما إسرائيل فلا يعجبها نظام الحكم في دمشق، وصرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بذلك من أمريكا، الأسبوع الماضي، واللافت أن نتنياهو صرح للمرة الأولى خلال تلك الزيارة بحرص إسرائيل على حماية المسيحيين في سوريا، وهو ما يمكن ربطه باستهداف داعش للطائفة المسيحية مؤخرًا.
والجميل أن الرد المسيحي على نتنياهو جاء من رأس السلطة المسيحية في سوريا، إذ قال بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق للروم الأرثوذكس يوحنا العاشر يازجي، خلال قداس بمناسبة السنة الميلادية الجديدة في دمشق الخميس الماضي، إن المسيحيين في سوريا ليسوا طلاب حماية.
العداء الإسرائيلي لسوريا الجديدة لا يحتاج دلائل فإسرائيل دمرت غالبية الأسلحة السورية، وتشن باستمرار غارات على مختلف المناطق، وتتوغل في الأراضي السورية المحاذية لحدود فلسطين، وتدعم جماعة الهجري الانفصالية في السويداء، كما يجري الحديث عن تنسيق مع قوات سوريا الديمقراطية.
شبكات النظام السابق من الكيانات والحركات الانفصالية وضباط الأمن وشبكات التهريب والخلايا المخابراتية والاقتصادية متضررة بشدة في سوريا ولها مصلحة في إظهار عجز الحكم الجديد، ومنها حزب الله اللبناني وجماعة الهجري في السويداء وفلول النظام البائد خصوصًا في الساحل.
أما قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي اضطلعت بدور رئيسي في قتال تنظيم داعش بدعم من التحالف الدولي، فتواجه اليوم أسئلة متزايدة حول دورها في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد. فبينما تؤكد قسد التزامها المعلن بمواصلة محاربة التنظيم، ترى الحكومة السورية وتركيا أن استمرار سيطرتها على مساحات واسعة خارج سلطة الدولة، واحتفاظها بملف السجون ومخيم الهول (أكبر تجمع في العالم لمعتقلي داعش) دون أفق زمني واضح للحل، يسهم عمليًا في إبقاء بيئة قابلة لإعادة إنتاج داعش سياسيًا وأمنيًا.
ويزداد هذا الإشكال مع مماطلة قسد في تنفيذ اتفاق 10 آذار 2025 المتعلق باندماجها ضمن مؤسسات الدولة وتسليم إدارة المناطق والسجون إلى السلطة المركزية، ما يحوّل ملف داعش من قضية أمنية مشتركة إلى ورقة ضغط سياسية تُستخدم لتكريس واقع استثنائي لم يعد منسجمًا مع مرحلة بناء دولة سورية موحّدة ذات سيادة كاملة.
ولا شك أن هذا الوضع المتعثر لا يناسب الجارة تركيا التي أصبحت لديها مشكلتان في بقاء قسد خارج سلطة الدولة المركزية في دمشق، فتركيا تعتبر قسد امتدادًا مباشرًا لحزب العمال الكردستاني (PKK) الذي تصنفه إرهابيًا، وهو ما يفسر عدم الثقة التركية بأي ترتيبات تقوم بها قسد تتعلق بداعش خصوصًا أن هجمات التنظيم تزداد في سوريا وضربت في تركيا الأسبوع الماضي، عندما اشتبك الأمن التركي مع خلية لتنظيم داعش في مدينة يالوفا شمال غربي البلاد، وأدى ذلك إلى قتل وجرح أكثر من 10 رجال أمن.
غالبية دول المنطقة خصوصًا الخليج العربي والأردن، إضافة إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية تريد سوريا آمنة مستقرة، ولهذا دعمت انضمام سوريا الجديدة إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش، وجرى تنسيق عالي المستوى بين الجانبين أدى إلى تحييد خلايا لداعش في مدن عدة، وهو ما يفسر محاولة التنظيم زعزعة الثقة بالحكومة السورية عندما استغل خللًا أمنيًا واستهدف أحد عناصره اجتماعًا عسكريًا سوريًا أمريكيًا في مدينة تدمر الشهر الماضي، ما أدى إلى مقتل وإصابة عدد منهم.
إعادة إنتاج داعش في سوريا اليوم ليست نتاج فراغ أمني ولا عودة عفوية لتنظيم مهزوم، بل هي نتيجة تلاقي مصالح أطراف داخلية وخارجية ترى في استقرار سوريا تهديدًا مباشرًا لمشاريعها. فكلما تقدّمت الدولة في بسط سيادتها وترميم نسيجها الوطني، زادت محاولات إغراقها بالفوضى الطائفية والإرهاب.
ومع أن التنظيم يحاول الظهور بمظهر الفاعل، إلا أنه ليس سوى أداة تُحرَّك عند الحاجة لخلط الأوراق، وتشويه صورة الحكم الجديد، ومنع تشكّل نموذج سوري مستقر وموحّد.
وحدها المعالجة الجذرية، عبر توحيد السلاح بيد الدولة، وإنهاء مشكلة المناطق الخارجة عن السيادة، وتجفيف مصادر الدعم السياسي والأمني لداعش، كفيلة بإغلاق هذا الملف نهائيًا، ووضع حدّ لاستخدام الإرهاب سلاحًا ضد مستقبل سوريا.