متابعة / المدى
بعد أيام قليلة على العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا، التي أُعلن على إثرها القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، بدأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب يلمّح إلى انتقال تركيزه نحو أهداف جديدة، في مسار يعكس تحوّلًا واضحًا في السياسة الخارجية الأميركية، ويثير تساؤلات متزايدة حول ملامح المرحلة المقبلة.
وتحدث ترامب إلى الصحافيين، على متن الطائرة الرئاسية، مشيرًا إلى مجموعة من الدول والمناطق التي قال إنها باتت ضمن دائرة اهتمامه، من بينها كولومبيا، كوبا، غرينلاند، المكسيك، وإيران، في وقت بدا فيه الرئيس الأميركي أكثر ميلًا لاستخدام لغة التهديد والضغط المباشر.
وبعدما كان يندد سابقًا بسياسة التدخل الأميركي في شؤون العالم، عاد ترامب ليؤكد أنه يطبق ما وصفه بـ«عقيدة دونرو»، في تحوير واضح لـ«عقيدة مونرو» التي أطلقها الرئيس الأميركي الخامس جيمس مونرو عام 1823، والقائمة على اعتبار أميركا اللاتينية مجال نفوذ حصري للولايات المتحدة، ومحظورًا على القوى الأجنبية.
غرينلاند في صدارة الاهتمام
في هذا السياق، عادت جزيرة غرينلاند لتتصدر أولويات ترامب، إذ أكد، بعد يوم واحد فقط من العملية العسكرية في كراكاس، أن الولايات المتحدة بحاجة إلى ضم الجزيرة الدنماركية من أجل أمنها القومي.
وتُعد غرينلاند أكبر جزيرة في العالم، وهي إقليم يتمتع بحكم ذاتي ويتبع الدنمارك منذ نحو 600 عام، ويبلغ عدد سكانها قرابة 57 ألف نسمة. كما تضم قاعدة عسكرية أميركية كبيرة، وفق شبكة «سكاي نيوز» البريطانية.
وتقع الجزيرة في موقع استراتيجي داخل الدائرة القطبية الشمالية، عند تقاطع جيوسياسي حساس بين الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا، ما يمنحها أهمية متزايدة، خاصة مع انفتاح القطب الشمالي على طرق شحن وتجارة جديدة.
وكان ترامب قد طرح، خلال ولايته الأولى، فكرة شراء غرينلاند، قبل أن يعود مؤخرًا للتأكيد على ما يراه فوائد استراتيجية لضمها، في إطار مواجهة النفوذ الروسي والصيني في المنطقة القطبية.
وترى الباحثة في معهد بروكينغز للدراسات، أصلي آيدين تاش باش، أن «ترامب أعطى قائمة طويلة من الاجتياحات المحتملة في المستقبل، لكن الهدف المرجح لإدارته سيكون غرينلاند».
في المقابل، حذّرت رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن من أن أي محاولة للاستيلاء بالقوة على الجزيرة الغنية بالمعادن قد تعني نهاية حلف شمال الأطلسي، الذي تعد بلادها عضوًا فيه، مؤكدة أن الجزيرة «ليست للبيع» وأن واشنطن «لا تملك أي حق» في ضمها.
ورغم ذلك، تشير تقديرات إلى أن واشنطن قد لا تلجأ إلى تدخل عسكري مباشر، بل قد تستخدم أدوات الضغط الدبلوماسي على حلفائها الأوروبيين للدفع باتجاه تنظيم استفتاء في غرينلاند.
امريكا اللاتينية وايران
إلى جانب غرينلاند، برزت كولومبيا كأحد الأهداف المحتملة، إذ حذر ترامب الرئيس الكولومبي اليساري غوستافو بيترو، معتبرًا أن تدخلًا عسكريًا في بلاده يبدو «فكرة جيدة».
ويتهم ترامب نظيره الكولومبي بالتآمر مع مهربي المخدرات، وهي اتهامات سبق أن وجهها إلى مادورو قبل العملية العسكرية في فنزويلا. ورد بيترو، وهو عنصر سابق في مجموعة مسلحة، متوعدًا بـ«حمل السلاح مجددًا» في مواجهة التهديدات الأميركية.
غير أن محللين يرون أن كولومبيا تمثل تحديًا مختلفًا، نظرًا لوجود جماعات مسلحة متبقية من الحرب الأهلية، ما يجعل خيار الضغط السياسي والترهيب الإقليمي أكثر ترجيحًا من التدخل العسكري المباشر.
وتوضح آيدين تاش باش أن «ما يقوله ترامب عمليًا هو: بإمكاني ترهيب البلد لحمله على الرضوخ، وعلى الآخرين القبول بالهيمنة الأميركية إن أرادوا الحفاظ على سيادتهم».
في ملف كوبا، قال ترامب إن الجزيرة، الحليفة التاريخية لفنزويلا، «على وشك السقوط»، معتبرًا أن وقف الموارد النفطية القادمة من كراكاس كفيل بإسقاط القيادة الكوبية الحالية، دون الحاجة إلى تدخل عسكري مباشر.
وتُعد كوبا عدوًا تقليديًا للولايات المتحدة منذ نحو سبعة عقود، وتقع على مسافة عشرات الكيلومترات فقط من ولاية فلوريدا الأميركية.
أما المكسيك، فقد دعا ترامب قيادتها إلى «ترتيب أمورها»، في إشارة إلى ملفات المخدرات والميزان التجاري، رغم وصفه رئيسة البلاد كلاوديا شينباوم بأنها «شخص رائع».
وأكد ترامب أنه حضّ شينباوم على السماح بإرسال قوات أميركية لمكافحة كارتيلات المخدرات، وهو عرض قوبل بالرفض. وأعلنت شينباوم أن «الأميركيتين ليستا ملكًا لأي عقيدة وأي قوة».
في الشرق الأوسط، تواصل إيران تصدّر خطاب التصعيد الأميركي، إذ توعد ترامب بـ«ضربة قوية جدًا» في حال استمرار قمع الاحتجاجات، وذلك بعد ضربات أميركية استهدفت برنامجها النووي في حزيران/يونيو الماضي.
وترى آيدين تاش باش أن ترامب «يبدو مستمتعًا بلحظة الرئاسة الإمبراطورية»، لكنها تحذر من أن أي تدهور في فنزويلا أو الشرق الأوسط قد يدفعه إلى فقدان اهتمامه بهذا الدور سريعًا.