ما زالت الجماهير، بمختلف مستوياتها الفكرية والحزبية والأيديولوجية محل اهتمام كبير من قبل وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، كما تشكل هدفا أساسيا تصنع من أجله المضامين الإعلامية والرسائل المختلفة. فرأي الجماهير يعد إحدى القوى الأساسية في حياة المجتمعات قديما وحديثا، إذ يؤثر في القرارات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية. غير أن طبيعة تكوين هذا الرأي تبقى موضع جدل بين المختصين وأصحاب الفكر، ويظل السؤال المطروح في هذا السياق: هل هو عقل جمعي عنيد متمسك بقناعاته وثقافته، أم كيان مرن قابل للتشكيل عبر وسائل الإعلام والرسائل المباشرة وغير المباشرة والمؤسسات المختلفة؟ وفي تقديري، لا يمكن اختزال رأي الجماهير في أحد هذين الوصفين، بل هو ظاهرة معقدة ومركبة تتداخل فيها عناصر العناد والتشكل والتأثر والسكون. وقد تناول عدد من المفكرين هذه المسالة من زوايا مختلفة، حيث يرى بعضهم أن رأي الجماهير يتمتع بدرجة عالية من الاستقلالية تجعله صعب المراس وعصيا على التوجيه المباشر. ويستند هذا الرأي إلى وقائع تاريخية تحدى فيها الجمهور مواقف الصحافة الموحدة، كما حدث في بعض الانتخابات في الولايات المتحدة الأمريكية، حين فاز مرشحون رغم المعارضة شبه الكاملة للصحف. وقد استند فرانسيس ليوب إلى هذه الوقائع ليؤكد أن الإنسان في عصر الحس العملي لم يعد ينظر إلى الصحافة بوصفها سلطة مطلقة، بل بات يتعامل مع كثير مما تنشره على أنه مجرد كلام صحف. ويعزز هذا الطرح فكرة أن الرأي العام قد يرفض التأثير الإعلامي حين يفقد ثقته بمصداقيته، وهو أمر أصبح واضحا في وقتنا الراهن مع تزايد الشكوك حول الحملات الإعلامية والإعلانية والدعائية، نتيجة ما ارتكبته من أخطاء أدركتها الجماهير، سواء أكانت متعلمة أو غير متعلمة. ويتبنى هنري لويس موقفا أكثر حدة، إذ يرى أن الإنسان المتعلم لا يستمد آراءه من الإعلام، بل يتعامل معه بشيء من السخرية أو الازدراء، بسبب ما يلاحظه من أخطاء متكررة في تناول القضايا. وقد تجلى ذلك، للأسف، في بعض القنوات العربية التي وقعت في تشويه الوقائع ونقل صور مضللة للأحداث. ويفهم من هذا الرأي أن التجربة الفردية والمعرفة الشخصية تلعبان دورا مهما في تحصين الرأي ضد محاولات التوجيه السطحي، ما يمنحه طابعا يمكن وصفه بالعنيد في مواجهة الخطاب الإعلامي الموجه.
غير أن هذا التصور، على منطقتيه، لا ينفي قدرة وسائل التواصل والمؤسسات الإعلامية على التأثير العميق في رأي الجماهير، وهو ما يؤكد عليه مفكرون آخرون، من بينهم إيفرت دين مارتن وهو كاتب، وصحفي، ومدرس، ومحاضر، وعالم نفس اجتماعي، وفيلسوف اجتماعي، ومناصر لتعليم الكبار. الذي يرى أن الصحافة تمثل وسيلة فعالة في إدامة حركات الجماهير وإبقاء أعداد كبيرة من الناس خاضعة لأفكار جماعية معينة. فكل جماعة تمتلك أدواتها الإعلامية التي تخاطب بها أعضاءها وتسعى إلى استقطاب أنصار جدد، وهو ما يدل على أن رأي الجماهير يمكن توجيهه حين يخاطب ضمن إطار جماعي منظم. أما ابتون سنكلير فيسلط الضوء على عامل آخر مؤثر يتمثل في المصالح الاقتصادية، ولا سيما سلطة المعلنين على وسائل الإعلام. فبحسب هذا الرأي، لا يكون توجيه الجماهير دائما عفويا أو بريئا، بل قد يخضع أحيانا لحسابات واعية تخدم مصالح معينة، مما يزيد من قابلية الرأي للتشكل حين تتقاطع الرسائل الإعلامية مع النفوذ الاقتصادي. ويقدم وولتر ليبمان تحليلا مختلفا، إذ يرى أن الإعلام لا يزور الواقع دائما بقدر ما يعيد تبسيطه وتأطيره، وهو ما يؤثر في كيفية تشكل تصورات الناس للأحداث. ويبرز هذا التحليل أن الرأي العام لا يتأثر فقط بما يقال، بل بكيفية قوله وطريقة عرضه. وانطلاقا من هذه الجدلية المتباينة، أرى أن رأي الجماهير ليس عنيدا بطبيعته ولا سهل الانقياد على الدوام. فهو يقاوم التأثير حين يشعر أن الخطاب الإعلامي يتجاهل تجربته أو يفرض عليه مواقف جاهزة، لكنه يصبح قابلا للتشكل حين تتراكم الرسائل عبر مؤسسات متعددة، وتقدم ضمن سرديات مقنعة تحترم عقل الجمهور وتجعله شريكا في صناعة المعنى. ويعد التحول في المواقف تجاه بعض القضايا السياسية أو الاقتصادية أو القانونية أو الصحية مثالا واضحا على ذلك، إذ لم يكن نتيجة ضغط إعلامي مفاجئ، بل ثمرة عمل طويل اشتركت فيه الصحافة والتعليم والمنابر الثقافية والدينية، فرأي الجماهير كيان ديناميكي يتفاعل مع محيطه باستمرار. فهو عنيد عندما يشعر أنه يعامل باستخفاف، وقابل للتشكل عندما يخاطب بالحجج والعقل، وقد يكون ساكنا عندما تكون له أولويات أخرى. ومن ثم، فإن فهم طبيعة هذا الرأي يقتضي تجاوز الأحكام المطلقة، والنظر إليه بوصفه شريكا فاعلا في صناعة الأفكار، لا مجرد متلق سلبي لها.
Source link