منذ الجلسات الأولى، اتضح أن المؤتمر لا يناقش استخراج المعادن بوصفه غاية، وإنما بوصفه مدخلا لبناء منظومة متكاملة تبدأ من التشريعات ولا تنتهي عند سلاسل الإمداد. النقاشات المطروحة حملت بعدا إستراتيجيا واضحا، خصوصا في ما يتعلق بالمعادن الحرجة، وأمن الإمدادات، ودور الدول المنتجة في مرحلة يشهد فيها العالم تحولات عميقة في الطاقة والصناعة.
الحضور الدولي الكثيف منح المؤتمر ثقله الحقيقي. وزراء، ومستثمرون، وخبراء من مختلف القارات اجتمعوا في الرياض وهم يدركون أن المنطقة لم تعد هامشًا في خريطة التعدين العالمية. المملكة ظهرت في هذا السياق كطرف قادر على الجمع بين وضوح الأنظمة، وقوة التمويل، وطموح صناعي طويل النفس، وهي عناصر نادرة في قطاع يعتمد على الثقة والاستقرار.
اللافت في مجريات المؤتمر أن الرياض لم تكتفِ بدور المستضيف، وإنما قدّمت نفسها منصة لصياغة رؤى إقليمية. النقاش حول مستقبل التعدين في الشرق الأوسط وإفريقيا كشف توجهًا عمليًا نحو الشراكات العابرة للحدود، القائمة على تبادل المعرفة وتكامل الموارد، وهو ما يعكس فهمًا متقدمًا لدور المملكة في محيطها الجغرافي والاقتصادي.
اقتصاديا، حملت جلسات المؤتمر رسالة واضحة مفادها أن التعدين أصبح ركيزة أساسية في مسار تنويع الاقتصاد. الربط بين القطاع التعديني والصناعات التحويلية، وبين الموارد الطبيعية وبناء سلاسل قيمة محلية، أظهر أن الهدف يتجاوز زيادة الإنتاج إلى خلق أثر مستدام يمتد إلى الوظائف ونقل التقنية وبناء القدرات الوطنية.
ومع استمرار أعمال المؤتمر، تتأكد حقيقة أن ما يجري في الرياض ليس حدثًا عابرًا ضمن أجندة المؤتمرات الدولية. هو خطوة محسوبة في مسار طويل تسعى فيه المملكة إلى إعادة تعريف علاقتها بثرواتها الطبيعية، وتقديم نموذج حديث للتعدين يقوم على الشفافية والاستدامة والشراكة الذكية. نموذج قد يجعل من الرياض نقطة مرجعية لكل من يفكر في مستقبل هذا القطاع عالميا.