لقد كشفت أزمات المنطقة خلال العقد الأخير عن نمطين متمايزين في التفكير السياسي، نمط يتعامل مع هشاشة الدول بوصفها فرصة لإعادة تشكيل النفوذ، ويرى في تعقيد الأزمات مجالًا مفتوحًا لتوسيع الحضور، حتى وإن كان ذلك على حساب وحدة الدولة الوطنية أو تماسك مؤسساتها، ونمط آخر ينطلق من قناعة راسخة بأن الدولة مهما بلغت درجة ضعفها، تظل الإطار الوحيد القادر على إنتاج شرعية قابلة للاستمرار، وأن سيادة دول الجوار أو الدول الإقليمية هو أول عوامل الاستقرار، وأهم عوامل التنمية، وأن تجاوز الشرعية والسيادة لا يؤدي إلا إلى فوضى مؤجلة، سرعان ما ترتد آثارها على الفاعلين قبل غيرهم.
النفوذ حين يبنى خارج منطق الدولة، يبدو في ظاهره مكسبًا سياسيًا أو أمنيًا، لكنه في حقيقته عبء طويل المدى، فالقوى المحلية التي تبنى على ولاءات ظرفية، أو تربط بتوازنات غير مستقرة، لا تملك مقومات الاستمرار، وغالبًا ما تتحول من أدوات تأثير إلى مصادر استنزاف، كما أن التحالفات التي تدار بعقل النفوذ، لا بعقل الدولة، سرعان ما تفقد قدرتها على الضبط، وتتحول إلى شبكات مصالح متقاطعة يصعب التحكم في مساراتها أو توقع مآلاتها.
وقد أثبتت التجارب أن الاستثمار في الفراغ السياسي لا ينتج حلولًا، بل يعيد إنتاج الأزمة بأشكال أكثر تعقيدًا، فحين تضعف الدولة لصالح كيانات موازية، أو تجزأ السلطة إلى عناوين ظرفية، فإن لا تكون استقرارًا، بل انتقالًا من أزمة مركزية إلى أزمات متعددة، أكثر تشظيًا وأقل قابلية للمعالجة، ولهذا فإن تكلفة تجاوز الدولة، مهما بدت أقل في لحظتها الآنية، فإنها تتضاعف مع الزمن، وتتحول إلى عبء سياسي وأمني واقتصادي. وفي هذا السياق، يتضح الفرق الجوهري بين إدارة الأزمات بعقل النفوذ وإدارتها بعقل الدولة، الأولى: تركز على الجغرافيا، ونقاط السيطرة، والأدوات الأمنية السريعة، وتتعامل مع الزمن بوصفه عنصر ضغط لتحقيق مكاسب آنية، أما الثانية: فتركز على بناء المؤسسات، وترسيخ الشرعية، وتوحيد القرار الوطني، حتى وإن بدا هذا الطريق أطول وأكثر تعقيدًا، غير أن التجربة تؤكد أن كلفة بناء الدولة مهما ارتفعت، تظل أقل بكثير من كلفة انهيارها أو تفكيكها.
المنطقة اليوم تقف أمام مفترق طرق حقيقي، فالمشاريع العابرة للحدود لم تتراجع، والدول الهشة لا تزال عرضة للاختراق، والتحالفات الإقليمية تختبر بانسجام أهدافها لا بزخم خطاباتها، وفي مثل هذا السياق يصبح أي انحراف عن منطق الدولة خطرًا مضاعفًا، لأنه لا يهدد ساحة بعينها، بل يهدد الاستقرار الإقليمي برمته، ويضربه في مقتل، ويقوض الثقة المتبادلة بين الحلفاء والشركاء.
إن التحدي الأكبر لا يكمن في تعدد الفاعلين، بل في غياب مرجعية سياسية واضحة تحكم سلوكهم، فحين تتعدد الأجندات داخل الإطار الواحد، تتحول التحالفات من أدوات تنسيق إلى ساحات تنافس غير معلن، ومن مظلات حماية جماعية إلى ترتيبات مؤقتة تفتقر إلى العمق الاستراتيجي، ومع غياب هذا الانسجام، تصبح الأزمات أكثر قابلية للتدوير، وأقل قابلية للحسم، مهما تعددت المبادرات أو تغيرت الوجوه.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي ليس على توسيع دوائر النفوذ، بل على ترسيخ نموذج سياسي مختلف، يقوم على احترام سيادة الدول، وعدم توظيف أزماتها، والتعامل مع الأمن بوصفه منظومة مترابطة لا ساحات منفصلة، وهو رهان يتطلب قدرًا عاليًا من الانضباط السياسي، والقدرة على تغليب الحسابات الإستراتيجية بعيدة المدى على إغراءات المكاسب السريعة، وعلى قراءة الزمن السياسي بوصفه عاملًا حاسمًا لا مجرد ظرف عابر.
لقد أثبتت التجربة أن الدول التي بنت سياساتها الإقليمية على دعم الدولة الوطنية، واحترام مؤسساتها، وعدم القفز على شرعيتها، كانت الأكثر قدرة على الصمود أمام التحولات، والأقل كلفة في إدارة الأزمات، ففي أزمنة الاضطراب والتحولات السائلة، لا تُقاس الحكمة بمدى القدرة على التمدد السريع أو توسيع النفوذ، بقدر ما تُقاس بعمق ودقة قراءة اللحظة التاريخية وتعقيداتها، إذ إن التمدد غير المحسوب، مهما بدا مغريًا في لحظته، قد يتحول إلى عبء إستراتيجي يستهلك الموارد ويستنزف الشرعية، بدل أن يعزز المكانة أو يرسّخ النفوذ.
كما أن النجاح الحقيقي لا يتحقق بمجرد فرض الأمر الواقع، فالأمر الواقع في ذاته حالة مؤقتة إن لم تُبنَ له مقومات الاستدامة السياسية والأمنية والاجتماعية، فالقدرة على فرض الواقع قد تصنع انتصارًا عابرًا، لكنها لا تضمن بقاءه، بينما تكمن القوة الأعمق في تحويل الوقائع المفروضة إلى معادلات مستقرة، قابلة للحياة، ومقبولة داخليًا وإقليميًا، وقادرة على الصمود أمام اختبارات الزمن وتبدل السياقات.
وعليه، فإن الفارق الجوهري بين الفعل الإستراتيجي المنشغل بسؤال استمرار الإنجاز، وبين النزق التكتيكي، المنشغل بسؤال كيفية الإنجاز المجرد.
أعود لأكرر، إن اختبار النضج في السياسة الإقليمية لا يُقاس بمدى الحضور أو حجم التأثير الظاهر، بل بمدى الانسجام بين الوسائل والأهداف، وبالقدرة على التراجع حين يكون التراجع هو الخيار الأكثر عقلانية، فالتاريخ لا يكافئ دائمًا من يندفع، بل غالبًا ما ينحاز لمن يملك صبر الدولة، وحساباتها الطويلة، وإدراكها العميق لتعقيدات الجغرافيا السياسية، وفي ظل التحولات الدولية المتسارعة، وتزايد أدوار القوى الكبرى في الإقليم، تصبح الحاجة إلى نموذج إقليمي متوازن أكثر إلحاحًا، نموذج يدرك أن الأمن لا يُجزّأ، وأن استقرار الدول مترابط، وأن أي خلل في ساحة ما سرعان ما يمتد أثره إلى محيطها، وفي هذا الإطار، فإن السياسة التي تجعل من الدولة معيارها الأول، لا من النفوذ غايتها النهائية.
وخلاصة القول، إن الانتقال من منطق النفوذ إلى منطق الدولة ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة سياسية واستراتيجية، فالنضج الحقيقي لا يتمثل في توسيع ساحات التأثير، بل في صيانتها من الانزلاق إلى الفوضى، وفي منطقة أنهكتها الصراعات، يبقى الرهان الأجدى هو بناء سياسات تُدار بعقل الدولة، لا بمنطق المغامرة، وتدار بحسابات المستقبل، لا بإغراءات اللحظة.