إذ توقفنا في معمل لتدريب منسوبي الجوازات على كشف تزوير الجوازات من خلال هذا الجهاز المتوفر في أي منفذ من منافذ المملكة الجوية أو البرية أو البحرية، إذ إن هناك نسخة تقليدية منه موجودة في معظم دول العالم، فقط لقراءة العلامات الأمنية بالأشعة فوق البنفسجية (UV) التي تظهر علامات أمان مخفية لا ترى بالعين المجردة، ولكن لدى بعض عصابات التزوير القدرة على إضافة مثل هذه العلامات، وبالتالي توجد هناك احتمالية للتزوير.
ولكن التطوير الذي قامت به الجوازات على هذا الجهاز، أنه أضيفت له العلامات الأمنية الأصلية المعتمدة من الدولة المنسوب لها الجواز، إذ يحمل النسخ الأصلية لجميع جوازات دول العالم المصرح لها بدخول المملكة، والبالغ عددها 205 جوازات تقريباً، وهذا هو الابتكار الذي تفتقر له معظم دول العالم؛ فالجهاز آلياً يحدد احتمالية التزوير مقارنة بما لديه من علامات أمنية أصلية محدثة مع جميع الدول، بما في ذلك الصادرة حديثاً مثل جواز السفر السوري وغيره من الدول التي تغيرت حكوماتها، ثم ينقل بعد ذلك إلى جهاز متقدم وباهظ الثمن، لتدقيق مدى الحفر أو التعديل أو البروز وغيرها من الأدلة الكاشفة للتزوير.
ولذا فقد تم اكتشاف مزور محترف لديه جواز سفر عبر به أغلب البلدان الأوروبية ذات تأشيرة شنغن ودولتين في آسيا مصنفة ضمن أهم دول العالم المتقدمة في التكنولوجيا، ومع ذلك انطلى عليهم الجواز المزور ولم يكتشفه سوى أبطال الجوازات في المملكة، مما جعل دولاً في أوروبا تطلب من المملكة تعاوناً في التدريب على كشف تزوير الجوازات.
ومن ضمن هذه الجولة شهدنا حفل تخرج لما يزيد على 200 فتاة سعودية من دورة الفرد الأساسي، والتي تشتمل على التدريب على الأسلحة، ومن ضمنهن خريجات بكالوريوس الأمن السيبراني ليلتحقن بزميلاتهن في معامل الابتكار التي يخرج منها مثل هذه الأنظمة المتطورة.
ما أريد قوله: إن الجوازات، ومنذ سنوات عديدة، وهي سباقة في كل ما من شأنه تسخير التقنية في جعل الحياة من حولنا أسهل؛ إذ كانت صاحبة الخطوة الأولى لـ«أبشر» الذي كان حجر الأساس للحكومة الرقمية التي نعيشها اليوم في معظم حياتنا اليومية. فلك عزيزي القارئ أن تتخيل أنني اضطررت يوماً إلى استخراج جواز سفر لرضيعتي لتسافر خارج المملكة، بينما كنت حينها في دولة إفريقية قد يصعب فيها حتى مشاهدة التلفاز، وبمجرد أن وصلت إلى أقرب شبكة إنترنت استطعت أن أصدر لرضيعتي جواز سفر بصورة جديدة، ووصل الجواز إلى باب المنزل مع تصريح السفر دون مرافقة الأب، دون أن تخرج الرضيعة من باب المنزل، أو أن أضطر لقطع سفري.
فما بين «أبشر» الذي غير تفاصيل حياتنا، و«كاشف» الذي يرفع سقف الثقة في منافذنا ويضع المملكة في مقدمة الدول صوناً لهويتها وأمنها؛ ندرك أن ما نراه ليس أجهزة وأنظمة فقط، بل رؤية تترجم إلى عمل، وعقول تترجم إلى إنجاز، ومؤسسات تترجم إلى فخر. وهذه هي المملكة حين تقرر أن تكون في الصف الأول: لا تكتفي بمجاراة العالم، بل تلهمه بقصص على مر السنين كقصص «جوازاتنا ما بين أبشر وكاشف».