تمر هذه الأيام الذكرى السنوية الأولى لتولي أحمد الشرع رئاسة سوريا، في ظرف استثنائي لا يشبه بدايات الرئاسات التقليدية، بل يفرض نفسه كسنة تأسيس قاسية، مثقلة بإرث خلفته الحرب المدمرة التي شنها نظام الأسد السابق على الشعب السوري، وتحت وطأة تعقيدات داخلية عميقة وبيئة إقليمية مضطربة. العام كان اختباراً حقيقياً لقدرة القيادة على حماية الدولة الجديدة و بناء الثقة بين أبناء المجتمع السوري، وسط تحديات اقتصادية وسياسية وأمنية متشابكة. في منشور الشرع الجمعة الماضي، استحضر تضحيات السوريين وصبرهم، وتحدث عن الأمانة والثقة والمستقبل المشترك. كلمات ليست شعارات، بل انعكاس لعام حافل بالإنجازات الصعبة، وفي الوقت نفسه مليء بالملفات المعقدة التي تنتظر المعالجة. عسكريا، كان العام الأول حاسماً في إعادة الدولة إلى مواقعها الطبيعية على الأرض، إذ تمكّن الجيش من استعادة نحو ثلث مساحة سوريا في حلب والجزيرة السورية شرق البلاد من أيدي تنظيم «قسد»، في إنجاز استراتيجي أعاد للدولة سيطرتها على مناطق كانت خارج القرار الوطني لسنوات طويلة، مما يعني إنهاء الأحلام الانفصالية كافة، شمال شرق البلاد وفي الساحل والسويداء، خصوصاً أن جميع الفلول كانوا يعوّلون على «قسد». ويمهّد تحرير الجزيرة السورية الأرضية لعودة المهجرين واللاجئين إلى مدنهم وقراهم في الشرق ليسهموا في إعادة بنائها، وتوظيف الثروات الكبيرة من مياه الأنهار والزراعة وآبار النفط والغاز وغيرها لدعم الاقتصاد المتعَب وخدمة التنمية بموارد هائلة كانت تحت سيطرة «قسد» التي حرمت السوريين من ثرواتهم. كما أحبطت محاولات فلول النظام السابق لزعزعة الاستقرار في الساحل، والقبض على مجموعة منهم متورطة في جرائم حرب، وهو ما يعكس قدرة الحكومة على فرض القانون ومساءلة المتورطين في ممارسات دمرت الأمن والثقة في المجتمع. السياسة الداخلية شهدت تحولات مهمة أيضاً، فالرئاسة ركزت على تثبيت الدولة واستعادة مؤسساتها، وتخفيف الاستقطاب الداخلي، مع الحرص على الوحدة الوطنية ورفض مشاريع التقسيم. في الوقت نفسه، كان هناك اهتمام بإطلاق مبادرات لتهدئة الجراح المجتمعية وإعادة الثقة بين المواطن والدولة، خصوصاً في المناطق التي عانت من تهميش أو حساسية طائفية أو حروب. في ملف العدالة الانتقالية، الذي يُعد من أكثر الملفات حساسية وألماً في الوجدان السوري، بدأت الحكومة خلال العام الأول خطوات فعلية لمحاسبة بعض المتورطين في جرائم حرب وانتهاكات ارتُكبت فترة حكم نظام الأسد، من خلال توقيف شخصيات محسوبة على الفلول، وفتح مسارات قضائية أولية، في محاولة لوضع حدّ لثقافة الإفلات من العقاب. كما وُضع ملف المفقودين والمغيّبين قسراً على جدول الاهتمام، وبدأ العمل على جمع البيانات والتعامل معها كقضية وطنية لا إنسانية فقط. ومع ذلك، لا يزال هذا المسار دون ما يشتهيه الأهالي، الذين ينتظرون الحقيقة الكاملة قبل أي مصالحة، والعدالة قبل أي طيّ للصفحات. فالحكومة مطالبة بأن تسرع التعاطي مع ملف العدالة الانتقالية كي لا تتحول- بمرور الزمن- إلى شعار سياسي، بل تعكس التزاماً أخلاقياً وقانونياً تجاه الضحايا وذويهم. اقتصادياً، رغم التحديات الكبيرة، حاولت الحكومة وقف الانهيار المتسارع وتحسين إدارة الموارد، مع التركيز على دعم القطاعات الإنتاجية وتحفيز الاستثمار، في خطوة نحو استعادة النشاط الاقتصادي وإنعاش الحياة، والطريق ليس سهلاً ويحتاج إلى إصلاح المنظومة الاقتصادية كاملة وتثبيت الأمن لجذب المستثمرين. على الصعيد الدولي، شهد العام انفتاحاً غير مسبوق على العالم خصوصاً الخليج العربي وأمريكا وأوروبا، مع نجاح الرئاسة في إلغاء «قانون قيصر» بدعم السعودية وقطر وتركيا، مما يشكل خطوة مهمة لربط سوريا بالعالم وتدفق الاستثمارات خصوصاً الخليجية منها. إضافة لذلك، حصلت سوريا على دعم عربي ودولي، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي، مما ساعد على تعزيز موقعها في المحافل الدولية وإتاحة فرص للتعاون الخارجي. ورغم أن هذه الخطوات لم تحقق النتائج المرجوة بعد، لكنها أسست لمرحلة جديدة من العلاقات الدبلوماسية. المفاوضات الأمنية مع إسرائيل مثلت – أيضاً – تحدياً دقيقاً، ولم تحقق حتى الآن نتائج مبشرة، لكنها مؤشر لجدية الدولة في حماية سيادتها، وإيجاد آليات لخفض التوتر الحدودي، بما يحفظ الأمن الوطني ويمنع أي مواجهة واسعة قد تؤثر في استقرار الداخل. الملف الاجتماعي لم يُهمل، إذ أطلقت الرئاسة مبادرات تهدئة ومصالحة في عدد من المناطق، مع خطوات أكثر إنسانية تجاه معاناة السوريين، خصوصاً النازحين والمتضررين. وبالتأكيد لم تغير هذه الإجراءات الواقع اليومي للمواطن بشكل جذري، لكنها تمثل بداية لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس من الثقة والاحتواء. ومن الأزمات التي لم تجد الحكومة لها حلاً حتى اليوم استمرار أزمة السويداء، نتيجة خيارات كارثية لحكمت الهجري الذي ارتبط بمشروع الاحتلال الإسرائيلي جنوب سوريا، مما سمح باختراق أمني وسياسي يهدد نسيج المجتمع. معالجة هذا الملف تتطلب توازناً دقيقاً بين الحزم في حماية السيادة والمسؤولية تجاه المجتمع المحلي، دون مكافأة الخيانة أو السماح بانفصال فعلي عن الدولة. العام الأول من رئاسة الشرع لم يكن عام إنجازات كاملة أو حل كل الملفات، بل عام حماية الدولة من الانهيار، واستعادة سيادتها، وتحقيق الاستقرار الداخلي والخارجي، وأظهرت القيادة قدرة على اتخاذ قرارات صعبة، سواء في المجال العسكري أو السياسي أو الاقتصادي، وسط شبكة معقدة من التحديات. المستقبل يظل اختباراً حقيقياً، فالسنة المقبلة ستكون مرحلة تحويل الإنجازات العسكرية والسياسية إلى استقرار دائم وإصلاح ملموس، وتحويل الخطاب الوطني إلى سياسات يشعر بأثرها المواطن في حياته اليومية. والرهان الأكبر هو أن تتحول سوريا إلى دولة قادرة على البناء والتعافي الشامل، مع ضمان مشاركة حقيقية للمواطنين في صياغة مستقبلهم. بعد عام كامل، يمكن القول إن سوريا صمدت، استعادت جزءاً مهماً من سيادتها، وأظهرت قدرتها على حماية نفسها ومصالح شعبها، رغم كل الصعاب، أما السنة القادمة، فهي اختبار لبناء مشروع وطني شامل، يؤسس لمستقبل أكثر عدلاً واستقراراً، ويليق بتضحيات السوريين وصبرهم.