في بعض العلاقات الاجتماعية، الزوجية، المهنية، وحتى بين الأصدقاء، لا يُمنح القبول كاملًا، بل يُمنح بالتقسيط. أحبك، ولكن بشرط أن تكون صامتًا. أقدرك، ولكن بشرط ألا تعارضني. أنت أفضل موظف لدي، ولكن بشرط أن تنقل لي الأخبار، أن تكون عيني في الممرات، أنت الابن البار لأنك لا ترفض، لأنك لا تجادل، لأنك تمشي وفق مزاج الأب أو احتياج الأم حتى وإن كان أحدهم على خطأ، وقد يُدرج البر أحيانًا في مطالب غير منطقية. وأنت الصديق القريب طالما أنك تلبي، وتضحي، وتؤجل نفسك خطوة إلى الخلف.
وهنا يبدأ الخلل، لا لأن العلاقة انتهت، بل لأنها بدأت على أساس خاطئ. العلاقة التي تُبنى بشرط، تُدار بالخوف لا بالحب، وبالترقب لا بالأمان. الطرف الذي يعيش داخل علاقة مشروطة لا يكون حاضرًا بكامل ذاته، بل حاضر بوظيفة الشرط، يؤدي دورًا مهمًا في حياة الشارط، ويلتزم بسيناريو غير مكتوب ويصفق له في كل مرحلة قائلًا: «ممتاز استمر أنت رائع».
وهذا التصفيق أخطر من الرفض، لأنه يوهم الإنسان أن ما يفعله هو الصواب، بينما هو في الحقيقة يتنازل عن ذاته ويضحي بالعطاء من أجل سراب، ولا يملك حق القرار في العلاقة، ويظن أنه مجتهد، متعاون، مرن وناجح، وهو لا يدرك أن شخصيته تُهزم ببطء، وأن عطاءه يُستهلك دون أن يُرى، وأن الجهد الذي يقدمه لا يُقدر لذاته، بل لاستمراره في تلبية الشرط حتى وإن وصل الأمر إلى شروط متعددة.
العلاقات المشروطة لا تُعلن شروطها بصوت عالٍ دائمًا، بل تُمارس بذكاء، ويُعاقب الاعتراض فيها. ويُمدح الخضوع، ويُهمش الاختلاف. ومع الوقت، يتعلم الإنسان أن نجاحه مرهون بإرضاء الآخر، لا بصدقه مع نفسه. فيصبح نجاحه هشًا، قابلًا للسحب في أي لحظة إذا أخل بشرط لم يكتب لكنه فهم الحقيقة.
وهنا المفارقة الكبرى: النجاح ذاته لا يُقاس بشرط. لا في العمل، ولا في الزواج، ولا في الصداقة، ولا حتى في الحياة. كما أن الفشل لا يأتي بشرط واحد، ولا الهزيمة لها تعريف واحد، كذلك النجاح له أشكال متعددة، والعطاء له وجوه مختلفة، والعلاقات بطبيعتها متغيرة، لا يمكن اختزالها في بند جزائي: إن فعلت كذا فأنت ناجح معي، وإن لم تفعل فأنت فاشل في العلاقة.
الحدود شيء، والشروط شيء آخر. الحدود هي احترام، هي عدم التعدي على الآخرين، هي حفظ خصوصية، هي التزام أخلاقي عام يحمي الجميع. أما الشروط فهي محاولة للسيطرة على تعريفك لذاتك، وعلى معنى وجودك داخل العلاقة. حين يقول لك أحدهم: لن تنجح إلا إذا كنت كما أريد، فهو لا يبني علاقة، بل يصنع قالبًا، ومن لا يناسب القالب يُستبعد مهما كان صادقًا أو معطاءً.
الشروط مكانها القانون، لا القلوب. مكانها العقود، لا العلاقات الإنسانية. تُكتب في الزواج لحفظ الحقوق، تُكتب في العمل لتحديد المهام، تُكتب في الاتفاقات الرسمية لضبط المسؤوليات. لكنها حين تتسلل إلى العلاقات الاجتماعية، تتحول إلى أداة إلغاء ناعمة، تُبقيك حاضرًا جسديًا وغائبًا نفسيًا لا قيمة لك مهما بذلت من تضحيات.
الحياة غير مثالية وسنصادف علاقات تُدار بالشرط لا بالحب، والوعي أن نعرف متى نُقدر ومتى نُستخدم، لذلك أي علاقة تبدأ بتحديد قيمتك بشرط، هي علاقة بدأت بالفشل وإن طال عمرها. لأن الإنسان لا يُعرف بشرط، وهويته لا تُختصر في استجابة، وعطاؤه لا يُقاس بمدى خضوعه. الحب لا يكون اختبار طاعة، والاحترام لا يكون مكافأة، والقبول لا يُمنح لمن يشبهنا فقط، لأن النجاح الحقيقي في العلاقات أن نكون مع أشخاص لا يطالبوننا أن نصغر كي نُحب، ولا أن نصمت كي نُقبل، ولا أن نتنازل عن جوهرنا كي نستمر. أن نكون مع من يروننا كاملين، لا مشروطين، أما كل علاقة تقول لك: «أنت رائع، ولكن»، فاعلم أنها بداية النهاية، حتى لو لم تُغلق الأبواب بعد.