الرياضة في عمر الطفولة والمراهقة ليست مجرد مهارة تُدرَّس أو لياقة تُبنى، بل مرحلة تشكيل شخصية. في هذه السنوات، تتكوّن صورة الطفل عن نفسه، عن قيمته، عن قدرته، وعن علاقته بالسلطة والنجاح والفشل. وأي خلل في هذه المرحلة لا يختفي مع الزمن، بل يتحول إلى جرح داخلي قد يرافق اللاعب طوال حياته.
المشكلة أن كثيرًا من الأكاديميات تركّز على الجسد وتُهمل العقل. نهتم بعدد التمارين، وشدة الأحمال، وننسى أن الطفل يحمل جهازًا نفسيًا هشًا، يتأثر بالكلمة أكثر مما يتأثر بالتمرين. ننسى أن النقد القاسي، أو السخرية، أو الإهانة، أو التهديد، قد يكون أقسى من أي إصابة جسدية.
هناك واقع لا يمكن إنكاره: توجد في بعض الأندية تعديات واضحة على حقوق الطفل والمراهق. تعديات قد لا تكون دائمًا جسدية، لكنها نفسية في المقام الأول: إهانة، تخويف، مقارنة جارحة، تهميش، حرمان من اللعب كعقاب، أو ضغط نفسي مبالغ فيه. هذه الممارسات تُبرر أحيانًا باسم «صناعة البطل»، لكنها في الحقيقة تصنع شخصًا قلقًا، هشًا، ومضطربًا في علاقته بذاته.
الأخطر من ذلك هو غياب الجهة المختصة التي ترصد وتحمي وتُحاسب. في كثير من الأكاديميات، لا يوجد نظام واضح لحماية الطفل نفسيًا. لا يوجد قسم مستقل. لا يوجد مختص صاحب صلاحية. ولا يوجد مسار آمن للشكوى أو التدخل. وهكذا يصبح الطفل ضعيفًا أمام السلطة الفنية والإدارية، بلا مظلة تحميه.
وجود مختصين في علم النفس داخل الأندية يجب ألا يكون شكليًا أو هامشيًا. ليس مطلوبًا «أخصائي يزور الفريق مرة في الشهر»، بل قسم متكامل له نظام، وميزانية، وصلاحيات، ورؤية واضحة.
قسم يعمل على: حماية الحقوق النفسية، تطوير القدرات الذهنية، تدريب على إدارة المشاعر، بناء الثقة والهوية، التدخل المبكر عند المشكلات، دعم الأسرة، مراقبة البيئة التدريبية، هذا العمل لا يقل أهمية عن الإعداد البدني أو الطبي، بل هو أساسه.
الطفل الرياضي يحتاج أن يتعلم كيف يفكر، لا فقط كيف يلعب، كيف يتعامل مع الخسارة، كيف يستقبل النقد، كيف يعبّر عن رأيه باحترام، كيف يحمي حدوده النفسية، كيف يفصل بين قيمته ونتيجته، هذه مهارات ذهنية ومعرفية لا تأتي تلقائيًا، بل تُبنى بتدخل علمي محترف.
غياب هذا الجانب يجعل كثيرًا من المواهب تحترق مبكرًا، نرى لاعبين صغارًا ينسحبون فجأة، يفقدون الشغف، يصابون بالاكتئاب، أو يكرهون الرياضة، ليس لأنهم فشلوا فنيًا، بل لأنهم لم يُحموا نفسيًا.
المفارقة أن الأندية تستثمر الملايين في الملاعب والمعدات، لكنها تتردد في الاستثمار في الإنسان. وكأن النفس أمر ثانوي، يمكن تجاوزه. بينما الواقع يقول إن أقوى لاعب بدنيًا قد يسقط نفسيًا في لحظة.
تمكين المختص النفسي داخل الأكاديمية ليس ترفًا، بل مسؤولية أخلاقية. يجب أن يكون له صوت مسموع، ومكان في صنع القرار، لا دورًا إسعافيًا بعد الكارثة. يجب أن يكون شريكًا في التربية الرياضية، لا موظفًا ثانويًا.
لا نحتاج فقط إلى أبطال في الملعب، بل إلى بشر أصحاء خارج الملعب. ولا يمكن تحقيق ذلك دون منظومة تحمي الطفل والمراهق من الاستغلال، والإهمال، والضغط غير الإنساني. حماية الطفل الرياضي ليست شعارًا إعلاميًا، بل عقد أخلاقي بين المجتمع والمؤسسة واللاعب الصغير.
الاستثمار الحقيقي في الرياضة يبدأ من حماية العقل قبل العضلة.