تدور الحكاية في كريت، في ثلاثينيات القرن الماضي، لكن زمانها الحقيقي أوسع من التاريخ. فهناك، منذ اللقاء الأول، تُرسم ثنائية أزلية: الفكر في مواجهة الفعل. الراوي، الذي لا يحمل اسمًا، يبدو ظلًا للمؤلف نفسه: مثقف شاب، منكمش على كتبه، حبيس التأمل، قليل الخبرة بالحياة، يخجل من جسده ومن اندفاعاته، ويميل إلى الحزن والانغلاق. في الجهة المقابلة يقف أليكسيس زوربا: رجل مكتمل الخشونة والفرح، مسافر لا يستقر، لغته فوضى خلاقة من الشتائم والحكايات، يحمل في صوته العالم كله، وفي جسده ذاكرة التجربة. لقاؤهما يبدأ باتفاق عمل بسيط: «السيد» – كما سيُسميه زوربا دائمًا – يعيّن زوربا مشرفًا على منجم اللجنيت (الفحم البني) في قرية كريتية نائية. لكن هذا الاتفاق يخفي تحته تعاقدًا أعمق: صدامًا بين نمطين للوجود، بين من يفكر في الحياة ومن يلتهمها.
«ماذا يمكن لمثقف أن يقوله لتنين؟» هكذا يصف الراوي صمته أمام سيل حكايات زوربا، ذاك الذي يتحدث عن كل شيء دفعة واحدة: القرى، الثلوج، الذئاب، النساء، الوطن، والموت. وحين تتعب الكلمات، لا يفسّر، لا يستنتج، بل يقفز فجأة ويرقص. الجسد، عند زوربا، يكمل ما تعجز اللغة عن قوله. نهارًا، يسير كلٌّ منهما في طريقه: زوربا إلى المنجم، حيث العرق والضجيج والحجارة، و«السيد» إلى كتبه، حيث الصمت والتأمل والورق. أمّا الليل، فهو مساحة اللقاء: طعام، حوار، ومزامير. هناك، تحت السماء، يتقاطع العالمان.
المزامير عند زوربا ليست موسيقى، بل خلاص. حين يعزف، يتوقف الألم، يصمت الفقر، ويتعطل العقل. الجسد يأخذ القيادة، والروح تتنفس. إنها لحظة ينسحب فيها الفكر، ليترك الفعل يقول كلمته الأخيرة.
بهذا المعنى، لا يعلّم زوربا الراوي وحده، بل يجرّ القارئ معه إلى منطقة مختلفة من الوعي: منطقة الغريزة، الحركة، الفرح الخام. زوربا شخصية صادمة ومفتنة في آن واحد؛ قاسية أحيانًا، لكنها قادرة على رقة مفاجئة، كما لو أن اليد نفسها التي حفرت في الصخر تعزف على أوتار القلب.
يظهر التباين بينهما بوضوح خاص في الحب. زوربا يحب كما يعيش: بلا تردد، بلا حسابات، بلا خوف من السقوط. أما الراوي فيحب مؤجلًا، مؤطرًا بالتفكير، محاصرًا بالتردد، يراقب الفرص حتى تفلت منه. ومن هنا تنبع حاجته العميقة إلى زوربا: لا كعامل، بل كمرآة تذكّره بما نسيه، وبما لم يتعلمه من أحد. زوربا هو نداء للفعل، لكنه ليس فعلًا أعمى. إنه دعوة للتحرر من قشرة العادة، من راحة تُخدّر أكثر مما تحمي. تلك «منطقة الراحة» التي نلوذ بها كثيرًا قد تتحول إلى سجن ناعم، يمنعنا من اختبار الدهشة، من لمس الجديد، من أن نعيش بكامل طاقتنا.
في هذا الأفق، يقف زوربا سيدًا للحاضر. لا يحتقر الفكر، لكنه يرفض أن يكون بديلًا عن الحياة. يذكّرنا بأن المعرفة لا تُختزل في الكتب، وأن الحكمة قد تكون في رقصة مفاجئة، أو في ضحكة عالية، أو في قدرة طفل على الانبهار بالعالم.
زوربا لا يقدّم نظرية، بل أسلوب عيش: أن نكون أكثر التصاقًا بأجسادنا، أكثر ألفة مع الطبيعة، أكثر استعدادًا للدهشة.
أن نستعيد، وسط تعقيد العالم، تلك النظرة الأولى: نظرة من يرى الحياة كما لو أنها تحدث الآن، للمرة الأولى.