الكون يُقدَّر عمره بنحو 13.8 مليار سنة، ومجرتنا مليئة بنجوم أقدم من شمسنا بمليارات السنين، وكثير من هذه النجوم تدور حولها كواكب، وبعضها يقع فيما يُسمّى المنطقة الصالحة للحياة.
إحصائيًا يبدو احتمال وجود حياة ذكية أمرًا غير مستحيل.
ولكن في عام 1950 صدم الفيزيائي الإيطالي الأمريكي إنريكو فيرمي الجميع بسؤاله الشهير: ?Where is everybody أين الجميع؟ ومن هنا وُلدت ما عُرفت لاحقًا بمفارقة فيرمي.
فيرمي فقط قلب زاوية النظر للقضية. قال: إذا كانت هناك حضارات أقدم منا بملايين أو مئات الملايين من السنين، وإذا كنا نحن خلال بضعة آلاف من السنين فقط انتقلنا من حياة بدائية إلى عصر الفضاء، فماذا عن حضارة سبقتنا بملايين السنين؟
لو كانوا موجودين فمن المفترض أنهم هم من يجدوننا، لا أن نظل نحن نبحث عنهم.
والشاهد هنا أن فيرمي فكّر من نقطة النهاية، لا من نقطة البداية، على عكس من سبقوه.
ذكرت هذا لأحد الأصدقاء الذي أرسل لي مقطع فيديو لشاب عربي يعرف نفسه بأنه غير مؤمن ويشكك في صحة القرآن الكريم، وقد أطال النفس في شرح بدايات التدوين الفوضوية حسب وصفه، وساق كثيرًا من القصص التي صوّر بها حال القرآن في الجيل الأول حالة فوضى وعبث وإهمال لنص القرآن، كحجة يريد أن يثبت بها استحالة أن يظل القرآن سليمًا بمثل هذه البدايات الفوضوية.
قلت لصديقي: لنفترض جدلًا أن ما يقوله هذا الشاب صحيح، وهو طبعًا كلام غير صحيح ومليء بالغلطات والمغالطات التاريخية، ولكن لنفترض ذلك، لماذا كانت النتيجة بعد أربعة عشر قرنًا أن القرآن متطابق عند ملياري مسلم باختلاف مذاهبهم وفرقهم الموزعين في أنحاء المعمورة؟
السؤال: أين الاختلافات اليوم كما قال فيرمي؟
لو وقع اختلاف ولو يسير للقرآن في البداية، ثم انتشر في أمصار متباعدة بلا وسائل اتصال حينها، ولا حكومات مركزية، بل إن في كثير من الحالات كانت الحكومات متناحرة سياسيًا وعقائديًا، فإن هذا الاختلاف كان يجب أن يتسع بمرور الزمن.
الانحرافات حتى لو كانت صغيرة جدًا في البدايات تتضخم مع الوقت، فما بالك باختلافات مثل التي صوّرها هذا الشاب ومن ينقل عنهم؟ تخيل أشعة خرجت من نقطة واحدة، ولكنها لم تكن بشكل متوازٍ؛ بينها انحرافات حتى لو كانت طفيفة جدًا.
فإنها كلما امتدّت سوف تتسع المسافة بينها، وبعد مسافة طويلة يصبح الفرق شاسعًا. وهذا شيء بديهي ويحصل أمام أعيننا في مئات الأمثلة من الواقع، إذ إن الاختلاف لا يؤول إلى الاتحاد، بل إن العكس أكثر احتمالية.
فلو وقع في المصاحف الأولى اختلافات، حتى لو كانت بسيطة، وليس بالشكل الذي صوّره هذا الشاب، فكيف نفسر أن المسلمين اليوم، على اختلاف مذاهبهم وصراعاتهم الممتدة منذ الجيل الأول، يتلون نصًا واحدًا متطابقًا في جميع آياته؟
الجيل الأول نفسه الذين حفظوا القرآن من النبي عاش اضطرابًا عنيفًا، وقع فيه أعظم صراعات سياسية في التاريخ الإسلامي.تقاتل الصحابة، ووقعت الفتن الكبرى، وتأسست الفرق والمذاهب مبكرًا، واشتد الخلاف السياسي حتى سالت الدماء أنهارًا.
ولو كان النص قابلًا للتغيير، أو قابلًا لأن تُدخل فيه جماعة كلمة تدعم موقفها أو تشطبها كما حصل لبعض الأحاديث والروايات، لكانت الحاجة ملحّة لذلك حينها، وآية أو كلمة واحدة في هذا النص المرجعي المقدس عند الجميع كانت سوف تحسم الأمر لإحدى الفرق.
بل إن هناك أحيانًا آية واحدة تشكل تعقيدًا لعقيدة أو تصور إحدى الفرق الإسلامية، فتضطر هذه الفرقة إلى تأليف المجلدات الكبار في محاولة لتأويل الآية بطريقة توافق تصورهم، وكان من الأسهل شطب هذه الكلمة من النص أو إدخال كلمة ما دام النص فوضويًا كما يصوّره هذا المتحدث.
على سبيل المثال: «إذ يقول لصاحبه لا تحزن» كان من الأهون على الفرق التي لها موقف معادٍ للخليفة الصديق أن يشطبوا هذه الكلمة بدل أن يسوقوا الأدلة والحجج الكثيرة في محاولة لتأويل المعنى.
كان أسهل لهم أن يشطبوا نقطة أو يضيفوها كما يتخيل هذا المتحدث ويضعوا حلًا جذريًا لمعضلتهم مع الآية.
كان كل فريق يملك الدافع السياسي والعاطفي ليحسم المعركة بنص قطعي لو استطاع. ومع ذلك، لم يستطع أحد أن يضيف كلمة واحدة إلى القرآن تخدم موقفه.
بقي النص فوق الصراع، وبقي محفوظًا رغم أن الأحاديث، وهي جزء من الدين، والكذب فيها خطير، فإنها طالتها يد التزوير، ودخل فيها الموضوع والمكذوب.
فالحديث وقع فيه الخلاف، والروايات وقع فيها التباين، أما القرآن فلم يقع فيه ذلك، وهي نصوص لنفس الأمة بنفس العمر، يحملها نفس الأشخاص ومرت بنفس الظروف.
وأثار هذا الشاب مسألة الحفظ في الصدور، وضحك مستغربًا كيف يمكن لإنسان أن يحفظ كتابًا كاملًا حرفًا حرفًا، وكأنه يتحدث عن شيء خيالي يفترض أننا لا نصدقه. وهذه حجة قد تلقى أذنًا صاغية عند بعض الأمم غير العرب، أما هذا الشاب العربي فيفترض أنه يعرف أن العرب في ثقافتهم الحفظ بشكل كبير، كما أنه يستطيع حتى أن يرى اليوم في كل عام يتخرج عشرات الآلاف من الحفّاظ، بعضهم أطفال في السابعة من أعمارهم، يحفظون النص كاملًا حرفًا حرفًا بحركاته وضبطه.
وهذه ليست معجزة نحتاج إلى أن نثبتها؛ فقط افتح عينك وستشاهدها حولك.
ذكر أيضًا حجة المخطوطات، وبرغم أن حتى هذه الحجة لا تسعفه حسب تصوّره، فحتى أقدم المخطوطات الموجودة اليوم تتطابق مع المصحف.
مع أننا نعاير صحة المخطوط أو المطبوع والمكتوب بمدى مطابقته للمحفوظ في صدور الحفّاظ، بل إننا نقبل أنه من الطبيعي أن تحصل غلطات مطبعية، فهي تحصل اليوم في عصر التكنولوجيا والرقمنة مع أدق المطابع المضبوطة بالكمبيوترات، ولكن لأن القرآن محفوظ في الصدور، إذا حصلت أخطاء في الطباعة والنسخ تصطدم بالحفّاظ.
وفعلًا حصلت أخطاء، وتحصل إلى اليوم الأخطاء المطبعية، ويقوم الحفّاظ باكتشافها وتعديلها، وحصلت حتى في النسخ الحديثة في أيامنا هذه عدة مرات تم تداركها من قبل الحفّاظ، ولا يُستبعد، بل الطبيعي أنه حصل في كل العصور، ولكن يظل النص مضبوطًا بالحفظ في الصدور.
وكذلك وقع هذا الشخص في مغالطة الخلط بين نسخ عثمان رضي الله عنه للمصحف والجمع والتدوين، وهي غلطة يقع فيها حتى من هم أعمق من هذا الشاب، إذ يخلطون بين النسخ والجمع والتدوين. الجمع في أشهر الروايات كان بعد وفاة الرسول مباشرة، أي جمع القرآن بين دفتين في كتاب واحد، أما عثمان فهو نسخ من النسخة التي جُمعت عند أم المؤمنين حفصة، أما التدوين فهو في أيام نزول القرآن منذ اليوم الأول، وتجد كثيرًا غير هذا المتحدث يتحدثون عن قضية التدوين وفجأة يخلطون بين مفهوم التدوين والجمع والنسخ (مع أن هناك رأيًا آخر يقول إن القرآن جُمع في عصر الرسول).
وكما قلنا، حتى لو وقعت غلطات إملائية، وهو شيء يحصل، فأكيد أن الحفّاظ هم من عدّلوها لاحقًا كما يحصل دائمًا إلى يوم الناس هذا.
تطرق هذا الشاب إلى حجج كثيرة، مثل أن القرآن لم يكن منقوطًا ويسهل التلاعب بالألفاظ بهذا الشكل، ونعود نقول: ولكن إذا كان كذلك، فلماذا القرآن اليوم متحد؟ وما عساها تغيّر النقاط أو طريقة الكتابة طالما النص المرجعي والمعياري محفوظ في مكان لا تصله الأيادي؟
الحقيقة أن من يتأمل تاريخ نشأة الإسلام ونشأة الفرق والمذاهب والمدارس الدينية يجد أن من كبرى العجائب أن يكون المصحف متحدًا إلى اليوم عند الجميع، حتى لو افترضنا أن بدايات التدوين والحفظ كانت بشكل مثالي جدًا، يبقى اتحاد النص مع الظروف السياسية التي مرت بها الأمة، وهذا النص يملك عند الجميع القداسة التي لو وجدت فيه كلمة تدعم أي فريق لحسم الأمر من أكبر عجائب التاريخ الإسلامي، أما الحديث عن بدايات فوضوية فهو يُفترض أن يحرج خصوم القرآن أكثر.
الحقيقة لم أسمع يومًا شبهة حول تحريف القرآن إلا وكانت عند التأمل دليلًا إضافيًا على صحته، وليس فقط أنها شبهة باطلة.
ونعود نقول ردًا على جميع هذه الشبهات وأي شبهات أخرى غيرها: كما سأل فيرمي: أين الجميع؟ نسأل نحن: لو كان هناك تحريفات مبكرة وبدايات فوضوية وعبث في التدوين، فأين أثرها اليوم؟
وصدق الله العظيم القائل:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾