غنيٌّ عن القول إنّ هناك اختلافًا كبيرًا في مَوقعِ اللّغة الفرنسيّة ووظيفتِها بين البلدان التّابعة للمنظّمة الدوليّة للفرنكفونيّة. في إفريقيا مثلًا، حيث انتَشرت هذه اللّغة نتيجة الاستعمار، وحيث تتعدَّد اللّهجاتُ المحليّة نَظرًا إلى تعدُّد الإثنيّات، وفي غيابِ لغةٍ وطنيّة جامعة، أَصبحتِ اللّغةُ الفرنسيّة لغةَ الحياة اليوميّة، ولغةَ التعليم، ولغةَ الإبداع كما تدلّ على ذلك أعمالُ كتّابٍ أفارقة كبار أثبتوا مكانتهم على ساحة الأدب الفرنكوفوني وفي طليعتهم ليوبولد سنغور، وأمادوا كوروما، وهنري لوبيس.
يختلف الوضع بالطبع في كندا أو بلجيكا، مع الأخْذ بالاعتبار الحساسيّات المرتبطة بإشكاليّات الهويّة.
في عالَم اليوم، لم تَعُد الفرنكوفونيّة مجرّد إطارٍ لغويّ يَجمع شعوبًا تتقاسم استعمالَ اللّغة الفرنسيّة، بل أضحت فضاءً ثقافيًّا وإبداعيًّا تتقاطع في داخله أسئلةُ الهويّة، والانتماء، والذاكرة، والعوْلمة. ففي زمنٍ تتصاعد فيه النّزعاتُ التوحيديّة، وتَفرِض العوْلمةُ أنموذجًا ثقافيًّا مُهيْمِنًا، تَبرز الفرنكوفونيّةُ كإمكانيّةٍ بديلة، قوامها التعدُّد والحوار والانفتاح.
غير أنّ هذا المشروع لا يَكتمل إلّا إذا انتقلَ من مستوى الخطاب إلى مستوى المُمارَسة، ومن الإقرار النظري بالتنوُّع إلى تجسيده في الإبداع، ولا سيّما في الأدب الفرنكوفوني الذي يُشكِّل المُختبرَ الأعمق لجدليّة اللّغة والثقافة. من هنا، يَكتسب الأدبُ موقعًا مركزيًّا في التفكير بالفرنكوفونيّة، لأنّه يَكشف عن كيفيّة تحوُّل اللّغة الفرنسيّة من أداةٍ مركزيّة إلى وسيطٍ للتعدُّد الثقافي وللتفاعل بين الثقافات.
من الفرض والهيمنة إلى فعل اختيار حر
فرنكوفيلية الطبقة الاجتماعية
نقد الهويات القاتلة أمّا في منطقتنا العربيّة فالمشهد متنوّع أيضًا. فإن كانت اللّغةُ الفرنسيّة في جزائر خمسينيّات القَرن الماضي وستّينيّاته «غنيمة حرب» وفقَ عبارةٍ شهيرة للأديب الجزائري كاتب ياسين الذي سخّر قلَمَهُ ليُواجِهَ الفرنسيّين بلغتهم كاشفًا النّقاب عن مُعاناة الشعب الجزائري في ظلّ الاحتلال، فإنّها في تونس والمغرب وسيلةُ انفتاح وأداةٌ للتواصُل مع الآخر، من جهة، ولتعميقِ الوعي بالذّات من خلال إخضاعها للنقد، من جهةٍ أخرى. ولعلّنا نَجِدُ في النّتاج الروائي، عمومًا، والنسائي، خصوصًا، دليلًا ساطعًا على ذلك، نَذكر على سبيل المثال أعمال آسيا جبّار، ومليكة مقدّم، والطّاهر بن جلون، وياسمينة خضرا.
ولو التفتنا إلى بلدان المشرق العربي، لَوجدْنا أنّ اللّغةَ الفرنسيّة بَدأت تَنتشر في مصر إبّان عهد محمّد علي باشا حتّى بَلغت أوج ازدهارها في أربعينيّات وحتّى منتصف خمسينيّات القَرن الماضي، مع بروز أدباء وأديبات مثل قوت القلوب، نيلي زنانيري، جويس منصور، جورج حنين، ألبير قصيري، إدمون يعبس، أحمد راسم. ومع ظهور صحف ومجلّات باللّغة الفرنسيّة، ورواج المُنتديات والنوادي الثقافيّة التي شكَّلت مساحةً للحوار والتفاعُل بين النّخب الأدبيّة في الساحتَيْن الفرنكوفونيّة والعربيّة؛ إلّا أنّ معظم هؤلاء الكتّاب اضطرّوا إلى مغادرة مصر والانتقال إلى فرنسا نظرًا للأوضاع السياسيّة المأزومة نتيجة العدوان الثلاثي وانعكاساته على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي، حيث أصبحت الكتابةُ باللّغة الفرنسيّة مُرادفًا للانحياز للغرب والتنكُّر لقضايا الوطن.
أمّا في لبنان، الذي أضحى اليوم «آخر حصن» للفرنكوفونيّة في المشرق العربيّ، فإنّ العلاقةَ باللّغة الفرنسيّة تعود إلى تاريخٍ طويل؛ إذ أَسهمَت مدارس الإرساليّات، التي ازدهرتْ منذ منتصف القرن التّاسع عشر، في تكوين جيلٍ من الأدباء الذين اختاروا الفرنسيّة لغةَ تعبير. وفي بدايات القرن العشرين، وفي مناخٍ سياسيّ طَغَتْ فيه النّزعة إلى التحرُّر من الحُكم العثماني، اتّخذتْ كتاباتُهم طابعًا نضاليًّا، ما لبثَ أن تحوَّلَ في ثلاثينيّات القرن العشرين، وفي ظلّ الانتداب الفرنسي، إلى انحيازٍ لفرنسا وسياستها، وهذا ما يُعرف بالفرنكوفيليّة، وهي تهمة سوف تُلصَق، في فترةٍ لاحقة بالكتّاب الفرنكفونيّين لمجرّد أنّهم تلقّوا علومَهم في مدارس الإرساليّات، وكانوا ينتمون إلى طبقةٍ اجتماعيّة ميسورة. ولم يَتحرَّر مفهومُ الفرنكوفونيّة في لبنان من المعيار الاجتماعي والطّبقي والسياسي، إلّا في الستّينيّات عل يدِ جيلٍ من الشعراء والكتّاب الذين أَعلنوا انتماءهم للثقافة العربيّة وأسهموا في صنْع مفهومٍ جديد للفرنكوفونيّة كفضاءٍ للحوار والتفاعُل بين الثقافات.
ويُمكن القول إنّ اللّغةَ الفرنسيّة لم تَعُد أسيرةَ النّزعة المركزيّة اليوم، بل أصبحت ملكًا لكلّ مَن يتبنّاها ويُعيد تشكيلَها ويُطوِّعها وفْقَ خصوصيّاته الثقافيّة. ليست الفرنسيّة في لبنان، أو في المغرب، أو في إفريقيا جنوب الصحراء، نسخةً مُطابِقة للفرنسيّة في فرنسا، وهذا الاختلاف ليس ضعفًا، بل مصدر غنىً وحيويّة. وإذا كانتِ اللّغةُ وعاءً للفكر، فإنّ الكاتب الفرنكوفوني يَملؤها بذاكرةِ لغته الأمّ، وبإيقاعِ ثقافته، لتُصبحَ بحقّ فضاءً للحوار ليس بين الثقافات فحسب، بل أيضًا بين اللّغات. ولعلّنا نَجِدُ في رواية الأديبة اللّبنانيّة دومينيك إدّه، «طائرة من ورق» مثالًا لافتًا على ذلك، إذ تُفرد صاحبتُها صفحةً كاملة للفظة حديقة ومُرادفاتها العديدة، «جنّة»، «بستان»، «فردوس»، «روضة»، «مرج» تَكتبها بالحَرف اللّاتيني، وتَشرح معانيها الدقيقة والفروقات بين دلالاتها، لتُتيحَ للقارئ الفرنسيّ فرصةَ اكتشاف جمالات لغتها الأمّ وما تَكتنزه مُفرداتُها من تنوُّعٍ ومضامين. وهذا ما يَجعل الفرنسيّة، في سياق الإبداع الأدبي، لغةَ تفاعُلٍ ثقافي لا لغةَ استنساخ، لغةً حاضنةً للتنوُّع، تُعبِّر عن هويّاتٍ مُركَّبة ومُتحوِّلة.
غير أنّ تنوُّعَ استعمالاتِ الفرنسيّة يَطرح سؤالًا حسّاسًا يتعلّق بالمعيار اللّغويّ: أيُّ فرنسيّةٍ يَجب اعتمادُها؟ وهل يُنظر إلى الاختلافات المحلّيّة بوصفها أخطاء، أم بوصفها أشكالًا مشروعةً من التطوُّر اللّغويّ؟
سادَ، لفترةٍ طويلة، موقفٌ معياري صارم، يَنظر إلى الفرنسيّة «المركزيّة» بوصفها الأنموذج الوحيد الصحيح. غير أنّ هذا التصوُّر بَدأ يتصدّع أمامَ إبداعاتِ الأدباء الفرنكوفونيّين الذين أدخلوا إلى اللّغة تراكيبَ جديدة، واستعاراتٍ، وإيقاعاتٍ مُستمَدَّة من لغاتِهم وثقافاتِهم الأصليّة ومخيالهم الجمعي. بل يُمكن القول إنّ هؤلاء يَرفدون الأدبَ الفرنسيَّ المُنتَج في المركز بنُسْغٍ يُغذّيه ويُجدّده.
الأدب الفرنكوفوني وشعرية العلاقة يُشكِّل الأدبُ الفرنكوفونيّ، في هذا المعنى، مُختبرًا حيًّا للتجديد اللّغوي، حيث تتحوَّل «الانزياحاتُ اللّغويّة» والاستعاراتُ المُستمدَّة من العربيّة أو غيرها من اللّغات الأمّ إلى إمكاناتٍ إبداعيّة، لا إلى أخطاء. من هذا المنظور، يُمكن القول إنّ الأدبَ الفرنكوفوني لا يُفسِد الفرنسيّة، بل يُحرِّرها من انغلاقِها، ويَمنحها طاقةً جديدة. وهنا يَبرز حقُّ الابتكار بوصفه شرطًا أساسيًّا لحيويّة اللّغة واستمرارِها؛ فالنصوص الفرنكوفونيّة الصادرة عن المشرق العربي، والمغرب، وإفريقيا، والكبيك، تَكشف عن مساراتِ هويّةٍ معقّدة، إذ تَتداخل فرنسيّتها مع الذاكرة المحلّيّة، والتاريخ، والمنفى، والسؤال الوجودي.
إنّ الكاتبَ الفرنكوفوني يُقيم على التخوم بين عالمَيْن ويَستخدم لغةً غير لغته الأمّ ليُعبِّرَ عن ذاته، وعن مُجتمعه، وعن قلقه إزاء العالَم. هكذا تتحوَّل الكتابةُ بالفرنسيّة إلى فعلِ عبورٍ بَين لغتَيْن وثقافتَيْن. والشواهد على ذلك كثيرة. تَحضرني هنا عبارة لطالما ردَّدتْها إحدى أهمّ الشاعرات والروائيّات اللّبنانيّات، فينوس خوري غاتا، التي خسرتْها الساحةُ الإبداعيّة والثقافيّة الفرنسيّة مؤخَّرًا كما خسرها لبنان الذي سكنَ أعمالَها كلّها، وطنًا تَرسمه وتُعيد اكتشافَه بالكلمات، حيث تُعلِن: «أنا أكتب العربيّة بالفرنسيّة». فاللّغة الفرنسيّة هنا لا تُلغي أَثَرَ العربيّة، بل تتحوَّل إلى مساحةٍ تَستوعب صورَها، وإيقاعاتِها ومحمولاتِها الثقافيّة. وهنا يَتجسّد مفهومُ التلاقُح والتهجين وتتبلْور الهويّةُ المُركَّبة التي لا تُختزَل في انتماءٍ واحد، بل تتغذّى من التعدُّد.
ولعلّ صورة الكاتب الفرنكوفوني، بوصفه «وسيطًا ثقافيًّا»، تتجلّى بوضوحٍ حين تُصبح اللّغةُ الفرنسيّة أداةً لتصحيح الرؤية الغربيّة للقضيّة الفلسطينيّة، تحديدًا، إذ تتمّ مقاربتها من الداخل وبمنأىً عن الإيديولوجيا ومن زاويةٍ محض إنسانيّة كما في رواية رامي الزّين: «اقتسام اللّا متناهي» التي تَستعيض عن الخطاب التقليدي المؤدلَج بمشاهد مؤثِّرة من الحياة اليوميّة تُجسِّد مُعاناة الفلسطينيّين تحت الاحتلال، وفي رواية «آيات الغفران» للكاتبة السوريّة ميريام أنطاكي، حيث يَتحرَّك النصُّ بين مرجعيّاتٍ دينيّة وثقافيّة ولغويّة متعدّدة. تُصبح اللّغةُ الفرنسيّة هنا فضاءً تفاعليًّا يَستوعِب الذاكرةَ العربيّة من دون أن يُذيبَها، وهذا ما عَرَّفَهُ الكاتب والشاعر المارتينيكي الكبير إدوار غليسان بـ«شعريّة العلاقة»، حيث تُدرِك الذّاتُ ذاتَها من خلال الآخر، وتُعيد التفكير بالمسلَّمات، فتَقرأ ذاتَها وكذلك الآخر والعالَم من حولها من منظورٍ مُختلف.
بناءً على ما تقدّم، يُمكن القول إنَّ الأدبَ الفرنكوفوني هو مُمارَسةٌ فعليّة لنقْدِ الهويّات الأحاديّة أو «الهويّات القاتلة» المُنتِجة للعنف والصراع، وإنّ الفرنكوفونيّة، حين تُقرأ في مرآة الأدب، تَظهر لا كمجرّد رابطة لغويّة، بل كمشروعٍ ثقافيّ إنسانيّ، يَسعى إلى بناء كونيّةٍ مُنفتحة، مقابل «كونيّة مُدمِّرة»، تلك التي حَذّر منها أمين معلوف في معظم كتاباته، خاصّة في كتابه الأخير «اختلال العالَم». هذه الكونيّة لا تَبني مُشترَكًا إنسانيًّا، بل تَخلق شعورًا بالتهديد لدى الجماعات التي تُجبَر على التخلّي عن ذاكرتِها ولغتِها.
لكن لا بدّ من التذكير أخيرًا، بأنّ الفرنكفونيّة لكي تكون مشروعًا ثقافيًّا فاعلًا، يجب أن تقوم على أُسُسٍ ديمقراطيّة، تَعترف بتكافؤ الثقافات، وبحقِّها في التعبير عن ذاتِها بلغتِها. ويقتضي ذلك تجاوُز النظرة الفولكلوريّة أو الاستشراقيّة للأدب الفرنكوفوني، كما يتطلَّب التحرُّرَ من عُقَدِ التفوُّق أو الدونيّة، وبناء شراكاتٍ ثقافيّة أُفقيّة تَعترف بقيمة كلّ تجربة ثقافيّة، وتداول الإنتاج الثقافي في الفضاء الفرنكوفوني، ليس بين المركز والأطراف فقط، بل بين بلدان الأطراف نفسها، ودعْم الترجمة بوصفها فعلَ حوارٍ لا هيْمَنة، وتشجيع التعدُّد اللّغوي والخروج على منطق الثنائيّات. ذلك لأنّ لكلّ لغة من اللّغات تاريخَها وخصوصيّتَها ومخزونًا من المضامين الثقافيّة التي تُشكِّل مُجتمعةً ما نسمّيه «روح اللّغة».
إنّ الفرنكوفونيّة، إذا أُعيد التفكير فيها، تُقدِّم أنموذجًا ثقافيًّا في ظلّ عوْلَمة الإقصاء والتنميط. فهي قادرة، عَبر اللّغة الفرنسيّة، على أن تَكون جسرًا بين الخصوصي والكَوني، وبين الذّات والآخر، وبين المحلّي والعالَمي، وعلى أن تُسهِم في بناء عوْلمةٍ ذات وجهٍ إنساني، يكون فيها التعدُّدُ مَصدرَ قوّة، لا سببًا للصراع.
*ناقدة من لبنان
* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.