الأجنة هم ذاكرة الحروب الصامتة، لا يسمعون صوت القذائف، ولا يرون دخانها، لكنهم يستقبلون أثرها، في رحمٍ من المفترض أن يكون هو المكان الأكثر أمانًا في هذا الكون، تتسرب إليه جزئيات ملوثة عبر الماء الذي تشربه أمه والهواء الذي تتنفسه، فتحدث طفرة جينية، تغير مسار تكوينه وأطوار نموه، وهنا تكمن قسوة الحرب، بصمة مشوهة على أجساد من لم يولدوا بعد.
ليست الأجنة وحدها من يدفع ثمن الحرب، بل حتى الأطفال والبالغين، فالتعرض للمواد الكيميائية التي تبثها الأسلحة أينما حلت، تزيد من معدل حدوث السرطانات والأمراض التنفسية المزمنة، ما حدث في هيروشيما وناجازاكي، نموذج لفهم ما يحدث في كل الحروب.
في اللحظة التي ضُربت فيها «هيروشيما وناجازاكي»، انهارت بنية الإنسان قبل الأبنية الأسمنتية، وميض الانفجار تسلل إلى الدم، العظام والمادة الوراثية، فأصبح الإنسان يحمل الحرب داخله، حتى بعد انتهائها، فظهرت أنماط من التشوهات لدى الأجنة الذين تعرضوا للإشعاع داخل الرحم، كانخفاض في حجم الرأس، وتراجع في القدرات العقلية، فبعض الأطفال فقدوا ما يقارب 25 نقطة من معدل الذكاء لأنهم تعرضوا لأبخرة الانفجار في المراحل الأولى من الحمل، كذلك ظهرت الأمراض العصبية كنوبات الصرع والشلل الدماغي، وازداد معدل إجهاض الأجنة، ونسبة وفاة المواليد، ولم يُتح لهم أن يروا العالم الذي أُصيبوا بسببه، وكأنها نعمة حتى لا يورثوا ما تسرب إليهم من ضرر إلى نسلهم إن أنجبوا. فالإنجاب غير مضمون بعدما دمرت الحروب الخصوبة، كما ظهر بعد حرب العراق، فقد ازداد معدل العقم كما ذكرت بعض المراجع العلمية وذلك بسبب التوتر. الاكتئاب والتعرض للإشعاعات الضارة. الحرب لا تترك أثرًا واحدًا واضحًا، بل طيفًا من الاحتمالات البيولوجية المعقدة، والتغير لا يكون دائمًا مرئيًا مباشرة، بل قد يظهر بعد سنوات، في مرض نادر أو في شكل طفل مختلف. في بصرة العراق، لم تكن السنوات التي تلت الحرب طبيعية، فقد لاحظ الأطباء أن الأطفال يولدون بتشوهات غير معتادة، أوزان منخفضة، أدمغة غير مكتملة، قلوب مشوهة وأطراف ناقصة، وأبوان يسألان (ماذا فعلنا لننجب طفلًا كهذا!؟)، الحقيقة أنهما لم يفعلا شيئًا، بل أحماضهما النووية تعرضت للحرب.
لذلك ربما يجب علينا إعادة تعريف الحروب، فهي ليست حدثًا، إنما كائن حي، يتمدد، يتحول ويختبئ، ليتسرب في بطء إلى أماكن لا تكتشفها الرادارات، رئة، دم، عظم وأرحام أمهات.