خلال مشواره الفنّي، لم يُقدِّم عبد السيّد سوى تسعة أفلام روائيّة طويلة، إلّا أنّ كلَّ فيلمٍ منها كان يُمثِّل وحدةً فكريّة وجماليّة مستقلّة، تَشتبكُ مع الواقع لتُعيدَ إنتاجه في قوالب تراوحت بين الواقعيّة الجديدة والواقعيّة السحريّة، ما جَعَلَ من سينماه مرآةً عاكسة لأزماتِ الفرد في مُواجَهة السلطة والمُجتمع والذّات.
البدايات والتكوين
وُلِد المُخرج الراحل في القاهرة في الثالث والعشرين من نوفمبر من العام 1946، ونَشأ في كنفِ أسرةٍ قبطيّة من الطبقة المتوسّطة، وهو ما أَتاح له تشكيل وعيٍ اجتماعيٍّ مبكّر. لم يكُن طموحه الأوّلي مُنصبًّا على العمل في السينما؛ بل كان مسكونًا بشغف الصحافة، ومدفوعًا برغبته القويّة في مراقبة الناس وتحليل ظروفهم الاجتماعيّة. إلّا أنّ المُصادفة قادته إلى زيارة استوديوهات التصوير، وتأكَّد شغفُهُ الحقيقي بالسينما بعد مشاهدته فيلم «Black Orpheus» للمخرج السينمائي الفرنسي مارسيل كامو، حيث أَدرك إمكانيّة دمْج الواقعيّة بالشعريّة في مشهدٍ واحد. التحقَ بالمعهد العالي للسينما وتخرَّج فيه عام 1967، وهو العام المُفارِق في تاريخ الوجدان المصري؛ إذ جَعلته النكسةُ جزءًا ممّا يُعرف بـ«جيل الهزيمة». هذا الجيل الذي وَجَدَ نفسَهُ مُطالَبًا بالتمرُّد على السينما الرومانسيّة التقليديّة التي سادت قَبل الحرب، والبحث عن لغةٍ بصريّة جديدة تَكشف عورات المُجتمع وتُواجِه الهزيمةَ بالصدق الفنّي.
بَدأ عبد السيّد حياتَه المهنيّة مُساعدًا لكِبار المُخرجين، فعملَ مع كمال الشيخ في فيلم «الرجل الذي فَقَدَ ظلَّه»، ومع يوسف شاهين في فيلم «الأرض»، ومع ممدوح شكري في فيلم «أوهام الحبّ». إلّا أنّ تكوينه النفسي الذي يميل إلى التأمُّل والعزلة جَعله يُدرِك سريعًا أنّ وظيفةَ المُساعِد لا تناسبه، فقرَّر الانزواء لسنواتٍ قَبل أن يَجِدَ ضالتَهُ الأولى في السينما التسجيليّة. اعتبرَ تلك المرحلة في حياته مُختبرًا حقيقيًّا لصقْلِ أسلوبه، حيث قدَّم أفلامًا مثل «وصيّة رجل حكيم في شؤون القرية والتعليم» 1976، و«العمل في الحقل» 1979، و«عن الناس والأنبياء والفنّانين» 1980. في هذه الأفلام، لم يكُن مجرّد ناقلٍ للواقع، بل كان يُمارِس سخريةً مريرة وتأمّلًا عميقًا في بنية المجتمع ومشكلاته الكبرى مثل الجهل المُمنْهَج، والصراع في حياة الفلّاح، والبحث في علاقة الفنّ بالواقع والقداسة. فعلى سبيل المثال، استَخدم في فيلمِه التسجيلي الأوّل صوتًا روائيًّا لشيخِ قرية يُعارِض التعليمَ بحجّة أنّه يُفسِد الناسَ ويَجعلهم يتمرّدون على السلطات التقليديّة، وهو ما كَشَفَ عن قدرته المبكّرة على استخدام «المُفارَقة» كأداةٍ نقديّة. هذه البدايات أكسبته خبرةَ التصوير في المواقع الحقيقيّة والتعامُل مع غَير الممثّلين، وحرَّرته من قيود الكاميرا التقليديّة، ما مَهَّدَ الطريقَ لظهوره في عداد تيّار الواقعيّة الجديدة الذي صارَ فيما بعد أحد أعمدته الرئيسة إلى جانب المُخرجين محمّد خان وعاطف الطيّب وخيري بشارة. سينما المؤلف وتشريح الهموم
يُصنِّف النقّادُ المُخرجَ الراحل كواحدٍ من أبرز روّاد «سينما المؤلِّف» في العالَم العربي، حيث كان يَكتب سيناريوهات أفلامه بنفسه – باستثناء فيلم «أرض الأحلام» – ليَضمنَ حريّة التعبير عن مشروعه الفكري. تميَّزت واقعيّتُهُ بأنّها لم تكُن صادمة كواقعيّة عاطف الطيّب، بل كانت واقعيّة ساحرة تَستخدم الواقع َكمتاهٍة لطرْحِ أسئلةٍ وجوديّة وفلسفيّة عميقة. في فيلمه الروائي الأوّل «الصعاليك» 1985، قدَّم داود عبد السيّد مُحاكَمةً قاسية لجيل الانفتاح الاقتصادي من خلال قصّة صديقَيْن يَرتفعان من القاع إلى قمّة الثراء عَبْرَ طُرُقٍ غير مشروعة، لكّنه ركَّز في الجوهر على تحوّلات الصداقة وتأثير الصعود الطبقي على الروابط الإنسانيّة.
توالَتْ أعمالُه لتُرسِّخَ مفهومَ البطل المأزوم؛ ففي «البحث عن سيّد مرزوق» 1990، أَدخل المُشاهِدَ في رحلةٍ ليليّة عبثيّة يَكتشف فيها الموظّفُ البسيط عوالم سفليّة غامضة، ما يَعكس رغبةَ داود في تحطيم فكرة البطل الواحد، وتقديم نماذج هائمة تبحث عن معنىً في فوضى الحياة. لقد كانت أفلامه بمثابة سيرة حياة لفكرة التحرُّر، حيث يظهر الأبطال وهُم يحاولون الانعتاق من قيود السلطة أو الدّين أو العجز الجسدي.
إنّ تكرار أسماء معيّنة في أفلامه يَحمل دلالاتٍ رمزيّةً وفلسفيّةً عميقة؛ فيحيى هو الباحث المتأمّل في العوالم المُختلفة، الذي يَكتشف أنّ مجرّد طرْح السؤال في حدّ ذاته قد يكون جريمة، وهو البطل العابر في أفلام «أرض الخوف» و«رسائل البحر» و«قدرات غير عاديّة»، وكأنّها رحلاتٌ متعدّدة يخوضها فردٌ واحد في إطار بحثه الدائم عن الاستنارة. هذا التركيز على الذّات جَعل من سينما داود عبد السيّد تجربةً شخصيّة للغاية، ومع ذلك فهي عالَميّة في قدرتها على مُلامَسة هموم الإنسان في كلِّ مكانٍ وزمان. أيقونات التمرد والتأمل الفلسفي
يحتلّ فيلم «الكيت كات» 1991 مكانةً استثنائيّة في تاريخ السينما المصريّة، إذ استطاع داود عبد السيّد من خلاله تحقيق التوازُن الصعب بين العُمق الفلسفي والقبول الجماهيري الواسع. الفيلم المُقتبَس عن رواية إبراهيم أصلان «مالك الحزين»، تدور أحداثه حول الشيخ الكفيف حسني الذي يَرفض الاعتراف بعجزه ويُمارِس الحياة بانطلاقٍ مُدهش يُحسد عليه؛ يقود الموتوسيكل، ويغنّي، ويبيع منزله من أجل مخدِّر الحشيش، كلّ هذا في وسط مجتمعٍ يتآكل في حيّ الكيت كات الشعبي. الشيخ حسني هنا ليس مجرّد شخصيّة كوميديّة، بل هو تجسيد للبصيرة في مقابل العمى الاجتماعي، وهو بطل يتجاوز عجزَه الجسدي ليُترجِمَ حريّةً داخليّة مُطلَقة.
أمّا فيلم «أرض الخوف» 1999، فيُعتبر واحدًا من أكثر الأعمال إبداعًا وعُمقًا في مسيرة عبد السيّد السينمائيّة. يَروي الفيلم قصّة ضابط الشرطة يحيى المنقباوي، الذي يُرسَل في مهمةٍ سرية طويلة الأمد للاندماج في عالَم تجارة المخدّرات، ليَجِدَ نفسَه مع مرور السنوات مَنسيًّا من الإدارة التي أرسلته، وتائهًا بين هويّته الحقيقيّة كضابط شرطة وهويّته كتاجر مخدرات. يَحمل الفيلم إسقاطاتٍ دينية وفلسفية عميقة، حيث يُشبِّه هبوطَ البطل إلى عالَمِ أرض الخوف بهبوط آدم من الجنّة إلى الأرض. طَرَحَ عبد السيّد في هذا الفيلم العديدَ من التساؤلات الفلسفيّة الكبرى حول الهوية والمهمّة المَنسيّة، وعبَّرَ من خلاله عن جيلٍ كامل أُعطي رسالة ثمّ تُرِك وحيدًا في مُواجَهة المصير. في هذا الفيلم، دَمَجَ المُخرجُ الراحل قواعد أفلام الجريمة الأمريكية مع الواقعية الاجتماعية المصرية، مُضافًا إليها لمسات سريالية وأجواء تأملية، ما جَعله ضفيرةً واحدة يصعب فصْل خيوطها الدرامية عن معانيها الفلسفية.
السينما المتأخرة والاعتزال كفعل احتجاجي
تميَّزَ أسلوبُ داود عبد السيّد البصريّ بالانتقال من اللّقطات المقرّبة في بداياته إلى استخدام اللّقطات العامّة والبعيدة جدًّا والطويلة زمنيًّا في أفلامه المتأخّرة، ليُتيحَ للمُشاهِد التمعُّنَ في جمال التكوينات والمحتوى الفكري. هذا النّضج الأسلوبي جَعَلَ من أفلامه قصائد حبّ مَرئيّة للمكان وللإنسان، تُجسِّد القلقَ الوجودي على ضياع الهويّة والبحث الدائم عن الجوانب الروحيّة في عالَمٍ مادّي غارقٍ في الأنانيّة.
تَمحورت سينماه المتأخّرة حول أفكار الخلاص في الحبّ وتقبُّل الآخر المُختلف. ففي «رسائل البحر» 2010 و«قدرات غير عاديّة» 2015، يَكتشف يحيى أنّ القدرة الحقيقيّة ليست هي في المعجزات أو الخوارق، بل في القدرة على الحبّ وفهْم الآخر. في فيلمه الأخير، يُراقِب بطلُهُ العالَمَ بفضول الباحث، ليكتشفَ في النهاية أنّه أصبح جزءًا من لعبةٍ أكبر، وأنّ الانفتاح على الحياة هو السبيل الوحيد لمُواجَهة الجمود والفساد.
في نهاية العام 2021، اتخذ الفنّان المُبدِع قرار الاعتزال المفاجئ، بعدما تعرَّض لعثرات إنتاجيّة وذوقيّة مُتزايدة. و صرَّح عبد السيّد بأنّ اعتزاله ليس قرارًا احتجاجيًّا فحسب، بل هو تحصيل حاصل لوضعٍ يَمنع تقديم سينما تُعبِّر عن الواقع وتُخاطِب عقلَ الجمهور، مؤكِّدًا أنّ نوعيّة الجمهور قد تغيَّرت، وأنّه لم يَعُد يَجِد مكانًا لسينماه التي تَبحث عن الحقيقة وتَطرح الأسئلة الصعبة.
رحلَ المُخرج داود عبد السيّد في السابع والعشرين من ديسمبر 2025، تاركًا إرثًا سينمائيًّا نادرًا استطاعَ من خلاله أن يكون مرآةً للمجتمع وضميره. لم تكُن أفلامه مجرّد حكايات، بل كانت وصايا من رجلٍ حكيم حاولَ طوال حياته أن يُعلّمنا كيف نحبّ الحياة ونُقاوم القبح بالجمال، وكيف نَصرخ في وجه البحر طلبًا للمعنى، حتّى لو لم تأتِنا الإجابة بلغةٍ نَفهمها. إنّ تراث عبد السيّد السينمائي سيَبقى خالدًا من خلال شخصيّاته التي لم تُغادِر وجدانَنا، ومن خلال أسئلته الكبرى التي لا تزال تبحث عن إجاباتٍ في واقعنا المُعاصِر.
* كاتب وأكاديمي من مصر.
* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.