التجربة العالمية تقول شيئًا واضحًا – وإن كنا لا نحب تكراره كثيرًا – معظم المنتخبات التي اعتلت منصة كأس العالم عبر التاريخ كانت بقيادة مدرب وطني. ليس لأن المدرب الأجنبي أقل كفاءة، بل لأن المنتخب، في لحظات الحسم، يحتاج إلى ما هو أبعد من المعرفة الفنية. يحتاج إلى فهم عميق لـ «السياق، الثقافة، اللغة»، ولتفاصيل لا تُكتب في الخطط التكتيكية.
المدرب الوطني لا يبدأ من الصفر. هو يعرف اللاعب قبل أن يدربه. يعرف كيف يفكر، وكيف يتأثر، ما الذي يحفزه، وما الذي يضعفه. هذه المعرفة ليست ترفًا، بل عنصر حاسم في بيئة تنافسية عالية. في المنتخب، لا يوجد وقت طويل للبناء، ولا مساحة كبيرة للتجربة. كل قرار يجب أن يكون دقيقًا، وكل كلمة لها أثر.
لكن الأهم من ذلك هو الانتماء. المنتخب ليس ناديًا، ولا مشروعًا مؤقتًا. هو تمثيل لوطن كامل، بكل ما يحمله من معنى. المدرب الوطني لا يعمل فقط بعقد، بل بقناعة. لا يقود فريقًا، بل يحمل مسؤولية تمثيل شعب. هذا الفارق، وإن بدا عاطفيًا، يصنع في كثير من الأحيان الفارق الحقيقي في الأداء.
خاضت الكرة السعودية تجارب متعددة مع المدرب الأجنبي. بعضها كان ناجحًا، وبعضها لم يترك أثرًا يُذكر. لكن القاسم المشترك بينها، أنها ظلت حلولًا قصيرة الأمد، تبحث عن نتيجة سريعة أكثر مما تبحث عن مشروع متكامل. ومع تكرار التجربة، يصبح من المشروع أن نتساءل: هل المشكلة في الأسماء، أم في الفكرة نفسها؟
المدرب الوطني ليس حلًا سحريًا، لكنه فرصة لبناء مشروع مختلف. مشروع يقوم على فهم عميق للبيئة المحلية، وعلى استمرارية في العمل، وربط المنتخب بمنظومة الكرة في الداخل. حين يكون المدرب جزءًا من هذه المنظومة، يصبح قادرًا على تطويرها، لا مجرد الاستفادة منها مؤقتًا.
لكن هذا الخيار يحمل شرطًا أساسيًا لا يمكن تجاوزه: الثقة. لا يمكن أن نطلب من المدرب الوطني أن ينجح ونحن نتعامل معه كخيار مؤقت أو تجربة قابلة للإلغاء عند أول تعثر. المشاريع الكبرى لا تُبنى بهذه الطريقة. النجاح يحتاج وقتًا، دعمًا، ورؤية واضحة لا تتغير مع كل نتيجة.
الخطأ الذي تكرر في تجارب سابقة هو التعامل مع الكادر الوطني بعقلية الاختبار. يُمنح الفرصة، لكن دون أدوات حقيقية، ودون حماية من الضغوط، ودون صلاحيات كاملة. ثم يُحاسب على نتائج لم يُمنح الوقت الكافي لتحقيقها. بهذه الطريقة، لا يفشل المدرب فقط، بل يفشل المشروع بأكمله.
إذا كنا نؤمن فعلًا بقدرة المدرب السعودي، فعلينا أن نمنحه بيئة احترافية كاملة. منظومة دعم فني، استقرار إداري، صلاحيات واضحة، وخطة طويلة الأمد تمتد لما بعد بطولة واحدة. الهدف لا يجب أن يكون مجرد المشاركة في كأس العالم، بل بناء منتخب يملك هوية واضحة، قادر على المنافسة والاستمرارية.
المنتخب السعودي اليوم لا يحتاج فقط إلى مدرب يجيد قراءة المباراة، بل إلى قائد يفهم ما يمثله هذا القميص. يحتاج إلى من يرى في كل مباراة مسؤولية وطن، لا مجرد فرصة مهنية. يحتاج إلى انتماء يترجم إلى عمل، وإلى تضحيات تتجاوز حدود الوظيفة.
قد يكون الطريق مع المدرب الوطني أطول، وربما أكثر تحديًا في بدايته، لكنه في المقابل أكثر استدامة. لأنه يبني شيئًا من الداخل، لا يستعيره من الخارج.
في النهاية، المسألة ليست اختيار اسم، بل اختيار اتجاه. إما أن نستمر في البحث عن حلول جاهزة، أو نبدأ في بناء مشروعنا الخاص.