متابعة / المدى
أعلن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، أمس الثلاثاء، أن واشنطن حققت أهدافها العسكرية في الحرب على إيران “إلى حد كبير”، في وقت تصاعدت فيه الغارات الأميركية الإسرائيلية على جزيرة خرج وعدد من الجسور الحيوية، ومع اقتراب انتهاء المهلة التي حددها الرئيس دونالد ترامب لطهران للتوصل إلى اتفاق.
وقال فانس إن الولايات المتحدة شنّت هجمات استهدفت 50 موقعاً عسكرياً في جزيرة خرج الإيرانية، مضيفاً: “لقد تجنبنا حتى الآن استهداف البنية التحتية ومنشآت الطاقة في جزيرة خرج”. وانتقد إدارة طهران للملف التفاوضي، مشيراً إلى أن الإيرانيين “لم يتحلوا بالسرعة” اللازمة وما زالوا يتبعون النهج ذاته. واعتبر أن إيران “مهزومة” في هذه الحرب، وأن واشنطن لا تسعى إلى تصعيد أوسع، لكنها تبقى ملتزمة بمسار التفاوض، مؤكداً أن بلاده تشعر بالثقة في إمكان تلقي رد إيراني بحلول الثامنة مساءً.
وكان ترامب قد حدّد مهلة لإيران تنتهي منتصف ليل الثلاثاء بتوقيت غرينتش لإنهاء إغلاقها مضيق هرمز، ووصف الاثنين مقترح وقف إطلاق النار المؤقت المتداول بأنه غير كافٍ. وفي منشور على منصة “تروث سوشال”، كتب الرئيس الأميركي: “حضارة كاملة ستموت الليلة، ولن تعود أبداً. لا أريد أن يحدث ذلك، لكنه على الأرجح سيحدث”، مضيفاً: “الآن بعد أن أصبح لدينا تغيير كامل وشامل للنظام، حيث تسود عقول مختلفة وأكثر ذكاءً وأقل تطرفاً، ربما يمكن أن يحدث شيء رائع بشكل ثوري، من يدري؟ سنعرف الليلة، واحدة من أهم اللحظات في التاريخ الطويل والمعقد للعالم”. وتابع: “47 عاماً من الابتزاز والفساد والموت ستنتهي أخيراً. بارك الله الشعب الإيراني العظيم”. وكان ترامب قد أعلن الاثنين أن القوات الأميركية ستبدأ اعتباراً من مساء الثلاثاء بتوقيت واشنطن تدمير “كل جسر في إيران” وتعطيل محطات توليد الكهرباء كافة، مشدداً على ضرورة التوصل إلى اتفاق “مقبول” قبل انتهاء المهلة، ومعرباً في الوقت ذاته عن أمله في تجنّب تنفيذ هذه التهديدات.
موجة غارات على الجسور الحيوية
شهدت الساعات الأخيرة موجة هجمات جوية أميركية إسرائيلية استهدفت شبكة المواصلات والإمداد في إيران، وتركّزت على الجسور بوصفها ركائز للبنية التحتية. ونقل التلفزيون الرسمي الإيراني عن معاون محافظ قم مرتضى حيدري قوله إن “أحد الجسور خارج مدينة قم وفي غرب المحافظة تعرّض لهجوم من العدو الأميركي والصهيوني”. كما تم تداول أنباء عن غارة استهدفت جسراً على طريق تبريز – زنجان السريع في شمال غرب إيران.
وفي وسط البلاد، نقلت وكالة “إرنا” عن نائب محافظ أصفهان أكبر صالحي قوله: “شن العدو الأميركي الصهيوني المعتدي هجوماً على جسر سكة حديد يحيى آباد في مدينة كاشان. وأسفر الهجوم عن استشهاد شخصين وإصابة ثلاثة آخرين بجروح”. ويقع جسر يحيى آباد الحيوي للسكك الحديدية في منطقة كاشان بمحافظة أصفهان وسط إيران. كما استهدفت الهجمات أحد جسور السكك الحديدية في إقليم زنجان، بحسب ما نقلت وسائل إعلام إيرانية عن مسؤول محلي.
وفي الثاني من نيسان (أبريل)، تعرّض “جسر بي 1” الاستراتيجي الذي يربط طهران بمدينة كرج لضربات جوية أدت إلى أضرار جسيمة، وأظهرت الصور المتداولة انهياراً جزئياً في مقاطعه الخرسانية، وهو يُعدّ أعلى جسر في الشرق الأوسط وافتُتح هذا العام.
خرج تحت النار
بالتزامن مع استهداف الجسور، أفادت تقارير بتعرّض جزيرة خرج الإيرانية لعدة غارات. وقال مسؤول أميركي لموقع “أكسيوس” إن “الجيش الأميركي نفّذ غارات على أهداف عسكرية في جزيرة خرج الإيرانية”. وتمثل الجزيرة، التي سبق أن دمّرت القوات الأميركية فيها أهدافاً عسكرية في منتصف آذار (مارس)، مركزاً لنحو 90 بالمئة من صادرات النفط الإيرانية، وسط احتمالات بأن ترد طهران على هذا الهجوم.
تصعيد متبادل ورد “عابر للقارات”
دخلت المنطقة منزلقاً خطيراً مع انفجار المواجهة المباشرة بين طهران وواشنطن، إذ أمطرت إيران العمق الإسرائيلي بالصواريخ الباليستية، رداً على غارات استهدفت العاصمة طهران وأدت إلى تدمير “كنيس يهودي” بالكامل. ووجّه الجيش الإسرائيلي تحذيراً غير مسبوق للمواطنين الإيرانيين من استخدام شبكة “القطارات”.
وفي تحدٍّ صريح للتهديدات الأميركية باستهداف “البنية التحتية المدنية”، أعلنت طهران رفضها القاطع لمقترحات وقف إطلاق النار وتمسّكها بإغلاق مضيق هرمز، ما يضع الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة العالمية في قلب العاصفة. وتوعّد “الحرس الثوري” الإيراني بأن الرد سيذهب إلى “أبعد من حدود المنطقة” إذا تجاوزت واشنطن “الخطوط الحمراء”، في إشارة إلى تهديدات ترامب بـ”محو” المنشآت الإيرانية حال رفض اتفاق الثلاثاء.
قراءة في الخيارات الأميركية
في قراءة للمشهد، رأى المستشار السابق في وزارة الخارجية الأميركية جوناثان واتشيل، في حديث صحفي، أن الهدنة المقترحة لمدة 45 يوماً تمثل مخرجاً محتملاً لكلا الطرفين، مستحضراً خطاب ترامب الأخير. وحذّر من أن غياب التسوية سيفتح الباب أمام استهداف الولايات المتحدة لبنى تحتية حيوية إيرانية، من بينها مرافق الطاقة والجسور، مقرّاً بأن ثمن ذلك سيكون باهظاً على الجانبين. وأشار واتشيل إلى أن واشنطن تسعى إلى إيجاد أطراف – ربما من صفوف المعارضة الإيرانية – قادرة على الانخراط في المفاوضات، مضيفاً أن ملف مضيق هرمز يحتل موقعاً محورياً في المعادلة التفاوضية. وفي ما يخص الخيار العسكري، قال إن الولايات المتحدة في حال اضطرارها إلى التحرك ستوجّه ضرباتها نحو أهداف بعينها، في مقدمتها المناطق التي يُحكم الحرس الثوري قبضته عليها، مع تجنّب الأهداف المكتظة بالمدنيين تفادياً لاتهامات بارتكاب جرائم حرب. ولفت إلى أن هذه الاستراتيجية تنطوي على غاية مزدوجة: إثبات الجدية الأميركية في مواجهة المنظومة العسكرية الإيرانية من جهة، وزرع بذور الانشقاق بين النظام وشعبه من جهة أخرى. غير أنه نبّه إلى أن ضربات تُلحق خسائر بشرية فادحة قد تنتج أثراً عكسياً يتمثل في التفاف الإيرانيين حول حكومتهم. ووصف واتشيل ملف اليورانيوم المخصب بأنه من النقاط الجوهرية التي لا تقبل المساومة، مؤكداً ضرورة أن تتخلى إيران عنه بشكل تام لما يشكله من تهديد مباشر لدول الخليج العربي وأوروبا. وأوضح أن امتلاك إيران لهذه المواد يضعها على عتبة تصنيع أسلحة نووية، وقد يمكّنها من إغلاق مضيق هرمز عمداً، مستحضراً أحداث عام 2023 حين شنّت إيران هجمات على إسرائيل بالتنسيق مع حزب الله الذي تسبّب بدوره في أزمات جسيمة للبنان جراء انخراطه في هذا المحور. وأضاف أن شبكة النفوذ الإيراني الممتدة عبر فصائل العراق والحوثيين في اليمن تضاعف من خطورة هذا السيناريو. وفي ختام حديثه، توقّف عند المعاناة الإنسانية المزمنة للشعب الإيراني الذي يرزح في موقف بالغ الصعوبة منذ عقود، خالصاً إلى أن الأفق لا يزال ضبابياً.