مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة، وعودة الحديث عن مضيق هرمز كممر حيوي للطاقة العالمية، بدأت تتكشف حقيقة لم تكن واضحة لكثيرين، وهي أن الصحة لم تكن يومًا نظامًا مستقلًا إنما نظام مرتبط بكل شيء.
فعندما تتعرض الطاقة لمخاطر، لا تتأثر فقط الصناعات أو الأسواق، بل تمتد الآثار للمستشفيات. تكلفة التشغيل ترتفع، وسلاسل الإمداد تضطرب، والأنظمة الصحية تبدأ في اختبار قدرتها على الاستمرار بالكفاءة نفسها. المؤكد أن هذه ليست أزمة طبية مباشرة، لكنها أزمة صحية بامتياز.
في مثل هذه الظروف لا يظهر التأثير في غرف الطوارئ أولا، بل في التفاصيل الأقل وضوحًا. تأخر في وصول دواء، ضغط على خدمات معينة وصعوبة في استمرار بعض الإجراءات، أو حتى تغير في أولويات النظام الصحي نفسه.
والأثر الأعمق لا يكون دائمًا في الحالات الحادة، بل على المرضى الذين يحتاجون رعاية مستمرة، مثل مرضى السكري وأولئك الذين يعانون من أمراض القلب والذين هم بحاجة لغسيل الكلى، فهؤلاء يعتمد استقرارهم على انتظام لا يحتمل الانقطاع.
ما يحدث اليوم يفرض علينا إعادة التفكير في مفهوم مهم بالصحة العامة، فلم تعد محددات الصحة تقتصر على العوامل الاجتماعية أو السلوكية فحسب، بل باتت تشمل أيضًا محددات جيوسياسية تؤثر بصورة غير مباشرة في قدرة الأنظمة الصحية على الاستمرار والعمل بكفاءة. فالممرات البحرية، وأسعار الطاقة، والاستقرار الإقليمي، أصبحت عوامل غير مباشرة لكنها حاسمة في قدرة الأنظمة الصحية على العمل.
وإذا كانت هذه التحولات تؤكد أن الصحة ترتبط ببنية العالم من حولها، فإن قيمة السياسات الصحية الحديثة تظهر في قدرتها على بناء نظام أكثر مرونة أمام هذه الصدمات. ومن هنا تبرز أهمية ما تنفذه المملكة العربية السعودية ضمن برنامج التحول الصحي.
فالتحول نحو نماذج الرعاية القائمة على القيمة، وتعزيز الوقاية، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، كلها خطوات تقوي النظام أمام الصدمات الخارجية. كما أن إعادة تنظيم سلاسل الإمداد وتطوير البنية التحتية الصحية، وتوسيع قدرات التجمعات الصحية، تعكس فهمًا متقدمًا بأن الاستدامة الصحية تبنى في الظروف الطبيعية لتبقى فعالة في أوقات الأزمات. هذا النوع من التفكير الاستباقي لا يهدف فقط إلى تحسين جودة الرعاية اليومية، بل إلى ضمان استمراريتها عندما تتعطل العوامل التي يعتمد عليها النظام من الخارج. ورغم أن هذه التحديات تقرأ غالبًا من زاوية المخاطر، إلا أن لها بعدًا آخر يرتبط بدور الدول في تحقيق الاستقرار.
وفي هذا الإطار تلعب السعودية دورًا محوريًا يتجاوز حدودها الجغرافية. فاستقرار أسواق الطاقة، وسلاسة سلاسل الإمداد، والتوازن في إدارة الأزمات عوامل تؤثر بشكل مباشر في قدرة الأنظمة الصحية حول العالم على الاستمرار. هذا الدور لا يرى دائمًا في سياق الصحة لكنه حاضر في عمقها. فحين يستقر الإمداد، وتدار الأزمات بحكمة، تنعكس على المستشفيات، وعلى المرضى، وعلى استمرارية الرعاية الصحية في أماكن كثيرة من العالم.
ربما لم نكن ننتبه في السابق لهذه العلاقة المعقدة لأن النظام كان يعمل بسلاسة. لكن الأزمات لا تخلق نقاط الضعف هي فقط تكشفها.
صحة المجتمعات لا تتحدد فقط بما يحدث داخل المستشفيات، إنما كذلك بقدرة الدول على حماية سلاسل الإمداد وضمان الاستقرار وبناء أنظمة صحية قادرة على الصمود حين يضطرب العالم من حولها.