متابعة / المدى
بعد ثلاث سنوات من اندلاع الحرب في السودان، يقف البلد على حافة انهيار شامل، في ظل اتساع الكارثة الإنسانية وغياب أي مؤشرات حقيقية على نهاية قريبة للصراع، الذي دخل عامه الرابع وسط فشل متكرر للجهود الدولية في احتوائه.
اندلعت الحرب في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، بعد أزمة سياسية تعود جذورها إلى انقلاب 25 أكتوبر 2021 الذي أطاح بالحكومة المدنية برئاسة عبد الله حمدوك، والتي تشكلت عقب الإطاحة بنظام عمر البشير عام 2019.
ومنذ اندلاع القتال، تحوّلت الحرب إلى صراع مفتوح دمّر مؤسسات الدولة ومزّق النسيج الاجتماعي، وسط غياب أي التزام بقوانين الحرب، فيما صنّفتها الأمم المتحدة كواحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً.
ولا تشير المعطيات الميدانية إلى إمكانية حسم عسكري، إذ تسيطر القوات الحكومية على مناطق الشرق والشمال وأجزاء واسعة من الوسط والعاصمة الخرطوم، معتمدة على سلاح الجو، فيما تفرض قوات الدعم السريع نفوذها على معظم إقليم دارفور ومناطق في الجنوب والوسط، ما يعزز احتمالات استمرار حرب استنزاف طويلة أو اتجاه نحو تقسيم فعلي للبلاد.
وخلّف الصراع حصيلة بشرية ثقيلة، إذ تتراوح أعداد القتلى بين نحو 59 ألفاً موثقاً وما يصل إلى 150 ألف قتيل وفق تقديرات حديثة، في ظل صعوبة التوثيق. كما يحتاج نحو 33 إلى 34 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية، أي ما يقارب 60% من السكان، مع نزوح أكثر من 13 إلى 14 مليون شخص، بينهم نحو 4.5 مليون لاجئ خارج البلاد.
وتتفاقم الأزمة مع معاناة نحو 30 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي، واعتماد ملايين على وجبة واحدة يومياً، فيما يواجه مئات الآلاف خطر المجاعة، خصوصاً في دارفور وكردفان، في مؤشر على انهيار منظومة الأمن الغذائي.
على الصعيد الصحي، خرج أكثر من ثلث المستشفيات عن الخدمة، مع توثيق أكثر من 200 هجوم على مرافق طبية منذ بدء الحرب، أسفرت عن أكثر من 2500 وفاة، بحسب منظمة الصحة العالمية، التي أشارت إلى أن السودان سجّل 82% من الوفيات العالمية الناتجة عن الهجمات على الرعاية الصحية في عام 2025.
كما حُرم نحو 76% من الأطفال من التعليم، في ظل تفشي الأمراض وسوء التغذية، ما ينذر بتداعيات طويلة الأمد على جيل كامل.
وتشير تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان إلى استمرار الانتهاكات الجسيمة، بما في ذلك المجازر، والتجنيد القسري، والاعتقالات التعسفية، والعنف الجنسي واسع النطاق، مع تأكيدات بأن هذه الأفعال ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وربما الإبادة الجماعية.
ورغم تعدد المبادرات الدولية، من بينها منبر جدة ومبادرة المنامة وجهود الاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيغاد، لم تُفلح أي منها في تحقيق وقف لإطلاق النار، ويُعزى ذلك إلى تعقيدات المشهد الداخلي وتداخلات إقليمية.
وتواصل “الآلية الرباعية” التي تضم الولايات المتحدة والإمارات والسعودية ومصر جهود الوساطة، وسط آمال بأن تشكل مدخلاً عملياً لإنهاء الحرب، حيث وصف عبد الله حمدوك هذه المبادرة بأنها “خطة ذات مصداقية عالية” تمتلك أدوات الضغط اللازمة لوقف الصراع.
وبعد ثلاث سنوات من القتال، تتشابك في السودان أزمات الموت والنزوح والجوع والانهيار الصحي والانتهاكات، في ظل غياب أفق سياسي واضح واستحالة الحسم العسكري، ما يضع البلاد أمام سيناريو انهيار طويل الأمد قد يعيد تشكيل الدولة والمجتمع لسنوات قادمة.