الخيال لم يعد أولوية. يُنظر إليه أحياناً كترف، أو كمرحلة طفولية يجب تجاوزها.
في بيئة تركز على الإنتاج، والإنجاز، والنتائج السريعة، يبدو الخيال وكأنه لا يؤدي وظيفة واضحة. لا يمكن إدخاله في جدول، ولا قياس أثره بسهولة، ولا تقديمه كرقم في تقرير.
لكن ما لا نراه هو أن الخيال لم يختفِ فقط… بل ترك فراغاً.
حين يغيب الخيال، تضيق المعاني. تصبح الحياة سلسلة من المهام، لا مساحة فيها للتأمل أو الدهشة.
نستيقظ لننجز، نتحرك لنصل، ونتحدث لنثبت… لكننا نادراً ما نتوقف لنشعر.
الخيال ليس هروباً من الواقع، بل توسيع له. هو ما يسمح للإنسان أن يرى ما هو أبعد من الظاهر، وأن يعطي للأشياء معنى يتجاوز وظيفتها.
حين ينظر الشاعر إلى مشهد عادي ويرى فيه قصة، أو حين يحوّل الفنان فكرة مجردة إلى لوحة، فهو لا يهرب من الواقع، بل يعيد تشكيله.
لكن في عصر يغلب عليه الطابع المادي، تراجعت هذه القدرة. لم يعد السؤال: «كيف نشعر؟» بل أصبح: «ماذا نحقق؟» وهنا تبدأ المشكلة.
حين تُختزل الحياة في الإنجاز فقط، يفقد الإنسان جزءاً من إنسانيته. قد ينجح، قد يتقدم، قد يحقق أهدافاً واضحة… لكنه يشعر في داخله بأن شيئاً ما ناقص.
هذا النقص ليس مادياً، بل معنوياً. إنه غياب المساحة التي كان يملؤها الخيال.
ربما لهذا نشعر أحياناً بضيق لا نفهمه. كل شيء يبدو جيداً من الخارج، لكن الداخل لا يواكب هذا الإحساس. السبب ليس دائماً مشكلة واضحة، بل أحياناً غياب العمق.
الخيال يمنح العمق. يجعل للتجربة أبعاداً متعددة، ويمنح الحياة طابعاً إنسانياً أوسع. بدونه تصبح الأشياء مباشرة أكثر من اللازم، واضحة أكثر من اللازم، ومحدودة أكثر من اللازم.
حين يغيب الخيال، يضعف الفن. والفن ليس مجرد ترف ثقافي، بل لغة إنسانية عميقة. هو ما يسمح للإنسان أن يعبر عن مشاعر لا يمكن قولها بشكل مباشر.
حين يتراجع الفن، تتراجع القدرة على التعبير، ويصبح الإنسان أقل اتصالاً بمشاعره.
ولهذا، لم يعد غريباً أن نشعر بأن الشعر أصبح بعيداً، وأن الإبداع أقل حضوراً، وأن الحياة فقدت شيئاً من جمالها. ليس لأن العالم أصبح أقل جمالاً، بل لأننا فقدنا الأداة التي تجعلنا نراه بهذا الشكل.
الخيال لا يُبنى في لحظة، ولا يعود بقرار سريع. هو يحتاج إلى مساحة، إلى هدوء، إلى وقت لا يكون فيه الإنسان مشغولاً فقط بالإنتاج. يحتاج إلى لحظات بلا هدف مباشر، حيث يمكن للعقل أن يتجول، وأن يربط بين أشياء لا تبدو مرتبطة.
حين نسمح لأنفسنا بهذه المساحة، نعيد إحياء جزء مهم فينا.
نبدأ برؤية الأشياء بشكل مختلف، ونشعر بأن الحياة أوسع مما تبدو عليه.
في النهاية، الإنسان ليس آلة تنتج فقط. هو كائن يبحث عن معنى. والخيال هو أحد أهم الأدوات التي تمنحه هذا المعنى.
حين نهمش الخيال، لا نخسر جانباً جمالياً فقط، بل نخسر قدرتنا على الشعور بعمق. نخسر تلك المساحة التي تجعل الحياة أكثر من مجرد أيام متتالية.
ربما لا نحتاج إلى المزيد من الإنجاز بقدر ما نحتاج إلى استعادة التوازن. توازن يسمح للعقل أن يعمل، وللخيال أن يعيش. لأن العالم، مهما كان منظماً وواضحاً، سيبقى ضيقاً؛ إذا لم نتذوقه بسعة الخيال.