في الآونة الأخيرة، لم تعد التوجهات الأخيرة للنظام الإيراني مفهومة، فكلّما اتّضح مأزقه كلّما ازداد إنكاره للواقع وغموض خياراته، ولم يكن مفهوماً ما إذا كان تخبّطه ناجماً فعلاً عن تنكّر الجانب الأميركي لتفاهمات إسلام آباد- وقد يكون هذا صحيحاً، أم لأنه فشل في فرض تفسيره لـ«مذكرة التفاهم» ولا سيما بند إدارة المرور عبر مضيق هرمز، الذي لم يعترف لإيران بـ«سيادة» ولا بـ «سيطرة» على المضيق، بل ألزمها باتخاذ ترتيبات العبور وإزالة الألغام والعوائق الفنية والعسكرية، وبمباحثات مع سلطنة عُمان لتحديد الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في المضيق «وفقاً للقانون الدولي القابل للتطبيق والحقوق السيادية للدول الساحلية» للمضيق، وكذلك بـ «تبادل الآراء مع الدول الساحلية الأخرى للخليج الفارسي».
هذا ما نصّت عليه «المذكرة»، لكن طهران تسرّعت في استخدام نمط الابتزاز: إما الاعتراف بالسيادة على المضيق أو تتوقف مفاوضات الاتفاق النهائي… اتضح ذلك في تأكيد وزير الخارجية عباس عراقجي أن «لا قبول بوقف اطلاق النار قبل تلبية مطالب إيران في شأن مضيق هرمز». وقد شرح عراقجي (في بودكاست لم يُسمح ببثّه) كيف تمّت الموافقة على «مذكرة التفاهم»، فكشف بما قاله وما لم يقلْه أن التعنّت والشروط والعراقيل الحالية تأتي عملياً من جناح المرشد- «الحرس الثوري»، وتشكّل عودة إلى الأسلوب التقليدي في صنع القرار بتجاهلٍ تامٍ لحرب تعرّضت لها البلاد، وربما تصبح أكثر كارثية في حال قرّرت أميركا استكمالها.
في الأثناء أطلقت إيران الكثير من المؤشرات التي تعتقد أنها تلعب لمصلحتها، لكنها في الواقع تراكم خسائرها وتضاعف أخطاءها وأوهامها في ما يتعلّق بمستقبل نفوذها الإقليمي وما تتصوّره عن تسيّدها للمنطقة، وذلك في وقائع منها:
مواصلة التهجم على دول الجوار الخليجي، خصوصاً الكويت والبحرين، وكذلك الأردن، للإيحاء بأنها توسّع رقعة الحرب تحقيقاً لهدفٍ «إستراتيجيٍ» مزمنٍ بضرب الوجود الأميركي في المنطقة. لكن هذا الوجود لم/ لن يتأثّر على النحو الذي تتخيّله إيران، أما هجماتها التي تزداد ضراوة فستبقى نقطة سوداء في مستقبل العلاقات مع المنطقة.
إغلاق مضيق هرمز مع استعادة الحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية لا يعنيان سوى خسائر إضافية تفاقم الأزمة الاقتصادية، واستدعاء لإطالة حال الحرب وتصعيدها في اتجاه «حرب كبرى»، من دون أن يتضح الهدف الإيراني من تلك الإطالة، ومن دون إدراك أن اللعب بالوضع القانوني الدولي للممر المائي لا يمرّ بسهولة أو بلا عواقب.
العودة إلى تحريك «جماعة الحوثيين» في اليمن وتمرير أموال وأسلحة إليها بطائرات إيرانية متسللة، وبالتالي تحريضها على ممارسة القرصنة لتهديد السعودية وادّعاء محاصرتها، وبالتالي مواصلة الهروب من حلّ تفاوضي- سلمي كضرورة حتمية لإنهاء أزمة اليمن. فأين المصلحة اليمنية، بل أين المصلحة الإيرانية؟
استمرار المراهنة على دورٍ ملتبسٍ لـ«حزب إيران/ حزب الله» في لبنان، إذ إنه تعرّض لهزائم في حرب غير متكافئة مع إسرائيل وتسبّب (حتى بإشراف مباشر من «الحرس الثوري») باحتلال إسرائيلي ونزوحٍ كثيفٍ من جنوب لبنان، كما أنه يهدّد بإشعال حرب أهلية للحفاظ على سلاحه. فماذا تجني طهران من إزالة الفوارق بين «المقاومة» والتخريب؟
اتضاح عجز النظام عن اتخاذ قرار الانخراط مجدداً في التفاوض، بعدما تعرّف إلى محدودية قدرته على المناورة. فالنديّة التي حاول إثباتها إزاء الولايات المتحدة لم تأتِ لمصلحته، لا برفض وقف إطلاق النار أو بإسقاط «مذكرة التفاهم» أو بتسويف العودة إلى التفاوض أو حتى باستغلال «ورقة» مضيق هرمز. فأين المكاسب التي يتطلع النظام الإيراني إلى تحقيقها؟
أي اتفاق تتوصل إليه مسقط وطهران سيُعرض على واشنطن والعواصم الخليجية، وعلى أساسه يمكن أن يتحدّد القرار الأميركي: إما عودة إلى التفاوض- وهي مفضّلة، أو عودة إلى الحرب- وهذه المرّة بهدف الحسم، أو هكذا يُعتقَد. ليس متوقّعاً أن تتبنّى عُمان أي خيار مخالف للقانون الدولي إرضاءً لإيران، ولا متوقّع أن تتنازل طهران عن «ورقة» مضيق هرمز، إلا إذا اختارت تكتيكاً آخر بالرضوخ لتأجيل بتّها، وفقاً لما تقترحه «تفاهمات» إسلام آباد. وعندئذ ستخوض المفاوضات النووية مجرّدة من القدرة على الابتزاز.
* ينشر بالتزامن مع موقع «النهار العربي»