وقد وضعت هذه الجهود أساسًا مهمًا لما نريده من الذكاء الاصطناعي المسؤول، وما ينبغي أن يلتزم به عند استخدامه. غير أن نضج الأطر واتساع نطاق التطبيق يفتحان أمامنا سؤالًا آخر لا يقل أهمية: كيف نضمن أن ما أُقر في مبادئ وأطر الحوكمة يُطبق فعلًا داخل بيئة العمل الرقمية؟
فليس كل ما يكتب في وثيقة للحوكمة يتحول تلقائيًا إلى قاعدة يلتزم بها النظام عند تشغيله. فعندما تقرر إحدى السياسات حماية البيانات، أو تشترط المساءلة، أو توجب تدخل الإنسان في القرارات الحساسة، فإن النظام البرمجي لا يفهم هذه المبادئ ولا يفسرها كما يفعل الإنسان، وإنما يحتاج إلى ترجمتها إلى شروط وصلاحيات وإجراءات واضحة يستطيع التعامل معها أثناء العمل.
وهنا يلزم التفريق بين النموذج، والنظام الذي يستخدم هذا النموذج، والبيئة التي يعمل فيها النظام. فالنموذج هو الجزء الذي يحلل أو يولد أو يتنبأ، أما النظام فهو التطبيق الذي يوظف هذا النموذج ويربطه بالبيانات والمستخدمين والخدمات الأخرى. ثم تأتي بيئة العمل بما فيها من أنظمة المؤسسة، وصلاحيات موظفيها، ومسؤولياتهم، والمتطلبات النظامية والتنظيمية للقطاع الذي تعمل فيه.
وتجدر الإشارة إلى أن مطوري نماذج الذكاء الاصطناعي يضعون فيها أصلًا ضوابط متعددة لتوجيه سلوكها، والحد من بعض الاستخدامات الضارة، ورفع مستوى سلامتها. وهذا جانب أساسي من تطوير النماذج الحديثة. غير أن هذه الضوابط لا تكفي وحدها لضمان التزام النظام بسياسات كل مؤسسة تستخدمه؛ فالنموذج لا يعرف من تلقاء نفسه أن جهة معينة تخضع لضوابط محددة، أو أن موظفًا بعينه لا يملك حق الاطلاع على نوع من البيانات، أو أن قرارًا معينًا لا يجوز تنفيذه قبل أن يراجعه مسؤول مختص.
فالنموذج الواحد قد تستخدمه مؤسسة مالية أو مستشفى أو جامعة أو جهة حكومية، بينما تختلف في كل منها طبيعة البيانات، وحدود الصلاحيات، وحساسية القرارات، والمسؤوليات المترتبة عليها. وما يجوز استخدام النموذج فيه في بيئة معينة قد لا يجوز في بيئة أخرى، كما أن الاستعانة به في صياغة رسالة تختلف اختلافًا جوهريًا عن إشراكه في قرار يمس مال إنسان أو صحته أو وظيفته.
وهنا تكمن الفجوة التي تحتاج إلى مزيد من العمل. فأطر الحوكمة تصاغ بلغة المبادئ والحقوق والمسؤوليات، بينما تعمل الأنظمة الرقمية وفق قواعد محددة تتعلق بالصلاحيات والبيانات وإصدارات النماذج والموافقات وإجراءات التشغيل. وما لم نترجم متطلبات الحوكمة، حيثما أمكن، إلى ضوابط واضحة داخل هذه البيئة، فقد تظل المؤسسة ملتزمة بالحوكمة على مستوى الوثائق، من غير أن تستطيع إثبات أن النظام طبق تلك المتطلبات فعلًا أثناء عمله.
ولهذا ينبغي أن تنتقل القاعدة، متى أمكن ذلك، من النص إلى التطبيق. فإذا قررت المؤسسة أن نوعًا من البيانات لا يجوز إتاحته للنموذج، فينبغي أن تمنع البيئة التقنية وصوله إليه من الأصل. وإذا اشترطت مراجعة بشرية قبل تنفيذ قرار كبير الأثر، فلا ينبغي للنظام أن يتجاوز هذه المرحلة حتى تصدر الموافقة ممن يملك صلاحيتها. وإذا تغيرت نسخة النموذج، أو تغير الغرض الذي يستخدم من أجله، فينبغي أن يعاد النظر في اعتماده متى كان هذا التغيير مؤثرًا في شروط استخدامه.
وهذا لا يعني تحويل الأخلاق أو الأنظمة إلى أوامر برمجية جامدة؛ فبعض الأحكام يمكن التحقق منها آليًا، في حين يحتاج بعضها الآخر إلى إنسان يفهم السياق، ويقدر المخاطر، ويوازن بين الحقوق والمصالح، ويتحمل مسؤولية القرار. والمهم أن نميز بوضوح بين ما يمكن للنظام أن ينفذه أو يتحقق منه، وما ينبغي أن يبقى خاضعًا للحكم البشري.
كما أن الحوكمة لا تنتهي بمجرد اعتماد النظام والسماح له بالعمل. فالبيانات تتغير، والنماذج تُحدَّث، وقد يظهر أثناء الاستخدام ما لم يظهر في مرحلة الاختبار، أو يمتد استخدام النظام إلى أغراض لم تكن في الحسبان عند اعتماده أول مرة. ولهذا ينبغي أن تستمر الحوكمة في أثناء التشغيل من خلال المتابعة والتدقيق والمساءلة، بحيث يمكن عند الحاجة الرجوع إلى نسخة النموذج التي كانت تعمل، والبيانات والصلاحيات المرتبطة بها، ومن أجاز استخدامها، وما وقع بعد ذلك من تعديل أو استثناء أو اعتراض أو تصحيح.
وعندئذ تتضح قيمة المساءلة الحقيقية. فهي لا تبدأ بعد وقوع الضرر والبحث عمن يتحمل تبعته، وإنما تبدأ من القدرة على تتبع ما حدث وفهمه ومراجعته، ومعرفة من اتخذ القرار، وعلى أي أساس، ومن كان يملك صلاحية التدخل أو الإيقاف أو التصحيح.
وعلى هذه الفكرة تقوم مبادرة GovBridge AI التي نعمل عليها حاليًا. فالمبادرة لا تسعى إلى إضافة مبادئ جديدة إلى ما صدر من أطر للحوكمة، وإنما تركز على الفجوة بين ما تقرره هذه الأطر وبين ما ينفذ فعليًا داخل الأنظمة. ونعمل من خلالها على تحويل المتطلبات التي تصلح لذلك إلى ضوابط يمكن تنفيذها والتحقق منها، وربطها بالأدلة والموافقات والمسؤوليات البشرية، بحيث يمكن تتبع تطبيق الحوكمة ومراجعته وإثباته طوال دورة حياة النظام. وهذا يتفق مع التصور الأساسي للمبادرة، الذي يربط متطلبات الحوكمة بالضوابط، والأدلة، والموافقات البشرية، وقرارات التشغيل والمتابعة.
اختيرت GovBridge AI للعرض ضمن AI Dialogue Partnerships Hub التابعة للحوار العالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي في الأمم المتحدة، بوصفها مبادرة مستقلة، ونعمل حاليًا على استكمال إطارها وتطوير آلياتها وضوابطها بما يسمح باختبار هذا التصور وتطبيقه عمليًا.
قطعنا شوطًا مهمًا في تحديد المبادئ التي ينبغي أن تحكم الذكاء الاصطناعي، وأصبح التحدي في المرحلة المقبلة أن نضمن حضور هذه المبادئ داخل الأنظمة أثناء عملها، لا أن تظل مقتصرة على السياسات والوثائق.
فالحوكمة الفاعلة لا تقاس بما كتب عنها، بل بما نراه من أثرها في عمل النظام. وحين نستطيع أن نربط القاعدة بطريقة تنفيذها، وأن نثبت هذا التنفيذ، وأن نحدد بوضوح من يتحمل مسؤوليته، تنتقل حوكمة الذكاء الاصطناعي من المبادئ العامة إلى الممارسة الفعلية، ويبقى الإنسان حاضرًا في الموضع الذي تبدأ عنده المسؤولية.