أزمة الثقة ليست تفصيلاً ثانوياً في كرة القدم، بل هي العمود الفقري للأداء. اللاعب الذي لا يثق بنفسه لا يلعب كرة قدم، بل يلعب دفاعاً عن صورته، وخوفاً من الخطأ، وهروباً من النقد.
هذه الأزمة لا تبدأ في النادي، ولا في المنتخب، بل تبدأ قبل ذلك بكثير. تبدأ في الثقافة، وفي التربية، وفي الطريقة التي يُنشّأ بها الطفل منذ سنواته الأولى. نحن نربّي أبناءنا على الطاعة التامة أكثر من الاستقلال، وعلى الامتثال أكثر من المبادرة، وعلى تجنّب الخطأ لا على التعلّم منه. نُكثر من المقارنة، ونُقلّل من الاعتراف بالإنجاز، ونزرع الشك في الكفاءة الذاتية بحجة «التواضع». والنتيجة؟ لاعب موهوب، لكنه متردد. قوي بدنياً، لكنه هش نفسياً.
الثقة بالنفس لا تُولد تلقائياً، بل تُصنع. وحين تغيب عملية «صناعة الهوية»، يصبح اللاعب تابعاً للتوقعات الخارجية، لا قائداً لأدائه الداخلي. يلعب ليُرضي الجمهور، ليهرب من النقد، ليحافظ على مكانه، لا ليعبّر عن نفسه. وهنا تتحول المباراة من مساحة إبداع إلى ساحة اختبار نفسي قاسٍ.
المشكلة أن الثقافة الرياضية لدينا ما زالت تنظر للثقة على أنها «غرور»، وللاعب الواثق على أنه «مبالغ في نفسه». هذه النظرة تُخيف اللاعب من التعبير عن قدراته، وتدفعه للانكماش داخل الملعب. بينما في البيئات الكروية المتقدمة، تُبنى الثقة كجزء أساسي من التكوين الرياضي، وتُدرَّس كما تُدرَّس المهارة واللياقة.
غياب الهوية الذاتية لدى اللاعب السعودي يظهر في لحظات الضغط. حين يتقدّم الخصم، ينهار التركيز. حين يخطئ مرة، يتردد عشر مرات. وحين تُطلب منه المبادرة، يختبئ خلف التمرير الآمن. هذه ليست مشكلة فنية، بل هي انعكاس مباشر لتربية تشكك في الذات أكثر مما تعززها.
من هنا، يصبح الحديث عن تطوير الكرة السعودية دون الحديث عن علم النفس الرياضي حديثاً ناقصاً. اللاعب لا يحتاج فقط إلى مدرب يعلّمه كيف يركض، بل إلى مختص نفسي يعلّمه كيف يثق، كيف ينهض بعد الخطأ، كيف يتحمّل المسؤولية، وكيف يبني علاقة صحية مع الضغط.
التدخل النفسي ليس رفاهية، ولا علاجاً لحالات استثنائية، بل ضرورة بنيوية. نحن بحاجة إلى برامج نفسية واضحة داخل الأندية، تبدأ من الفئات السنية، وتمر باللاعب المحترف، وتصل إلى المنتخب.
جلسات فردية مكثفة، دورات في بناء الثقة، تدريب على المرونة النفسية، وإعادة تعريف الفشل كجزء من النمو، لا كوصمة.
المرونة النفسية هي ما يميّز اللاعب الكبير عن اللاعب العادي. اللاعب الكبير لا يعني أنه لا يخطئ، بل يعني أنه لا ينهار بعد الخطأ. وهذه القدرة لا تُكتسب في صالة الحديد، بل في جلسات عميقة مع مختصين.