أُنشيء هذا المجتمع الرقمي بعد أيام من سؤال وجودي طُرح في منتدى دافوس الأخير؛ في حوار جمع بين المؤرخ والمفكر يوفال نوح هراري، والعالم المتخصص في أبحاث الذكاء الاصطناعي ماكس تيجمارك، أعاد طرح المخاوف القديمة بصيغة جديدة: ماذا لو خرج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة؟ ومتى يتحول من أداة في يد الإنسان إلى قوة تُعيد تشكيل العالم دون إذنه؟
هذا النوع من النقاش لا يمكن التعامل معه باستخفاف، لكنه في الوقت ذاته لا يحتمل الهلع. فالتاريخ يخبرنا أن الإنسان، في كل مرة ابتكر فيها أداة غيرت مسار حياته، خاف منها قبل أن يتعلم كيف يضبطها. الجديد هنا ليس الخوف نفسه، بل سرعة التحول، واتساع التأثير، وحدود السيطرة غير الواضحة، كما رأيناه مؤخرًا في هذا المنتدى الاجتماعي للذكاء الاصطناعي!
في ذلك الحوار يرى هراري أن الخطر الأكبر لا يكمن في أن يصبح الذكاء الاصطناعي «واعيًا» كما في أفلام الخيال العلمي، بل في قدرته على التأثير في السرديات، والقرارات، والسلوك البشري دون أن ننتبه. الخوارزميات اليوم لا تملك نوايا، لكنها تملك قدرة هائلة على التوجيه، وعلى إعادة تشكيل الرأي العام، وعلى صناعة واقع معلوماتي قد يكون مضللًا أكثر من كونه ذكيًا. الخوف هنا أخلاقي بالدرجة الأولى، لا تقني.
أما تيجمارك، فينطلق من زاوية مختلفة: الذكاء الاصطناعي ليس شريرًا ولا خيّرًا، بل قوة. وكل قوة غير منظمة تتحول إلى خطر محتمل. من هذا المنطلق، تأتي دعوته الصريحة إلى سن قوانين دولية تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي، على غرار القوانين التي تحكم الطاقة النووية أو الأسلحة البيولوجية. ليس لأن الكارثة حتمية، بل لأن غياب الإطار الأخلاقي والقانوني يجعلها ممكنة.
السؤال المنطقي هنا: هل هذا التخوف مبرر؟ أم أننا نبالغ في القلق من أداة ما زالت انعكاسًا لقرارات الإنسان نفسه؟ الواقع أن التخوف مُبرر جزئيًا لكنه غالبًا يُقدَّم بجرعة درامية أعلى من اللازم. الذكاء الاصطناعي لا يقرر وحده، ولا يعمل في فراغ. من يبرمجه، ويدربه، ويوجه استخدامه، هم بشر تحكمهم مصالح، وأخطاء، وأحيانًا غياب البوصلة الأخلاقية. الخطر الحقيقي ليس في الآلة، بل في الإنسان حين يمنحها سلطة دون مساءلة.
من هنا، تبدو الدعوة إلى قوانين دولية منطقية من حيث المبدأ، لكنها معقدة من حيث التطبيق. فالعالم لا يتفق بسهولة، والتقنية لا تنتظر التشريعات. كما أن فرض قوانين عامة على تقنية تتطور يوميًا قد يحول التنظيم إلى عبء، أو يخلق فجوة بين دول تلتزم وأخرى تستثمر الفوضى لصالحها. الأخطر من غياب القوانين هو الاعتقاد بأن القوانين وحدها كافية. التنظيم القانوني ضروري، لكنه لا يغني عن التنظيم الأخلاقي، ولا عن وعي المجتمعات والأفراد. فالذكاء الاصطناعي اليوم يدخل التعليم، والإعلام، والطب، وسوق العمل، وحتى العلاقات الإنسانية.
إن الخوف من «سيطرة الذكاء الاصطناعي» غالبًا ما يخفي خوفًا أعمق: فقدان الإنسان لدوره، ومعناه، وقدرته على اتخاذ القرار. وهذا خوف مفهوم في عالم يتغير أسرع مما نستوعب. لكن الهروب إلى خطاب الكارثة لا يساعد، تمامًا كما أن الانبهار غير المشروط لا يحمي. المقاربة الأكثر عقلانية هي الاعتراف بأننا أمام أداة بالغة القوة، تحتاج إلى مزيج من التنظيم، والشفافية، والمساءلة، والتعليم والتأكيد أن على الأفراد أن يفهموا كيف تعمل هذه التقنيات، لا أن يستهلكوها بلا وعي. وعلى المجتمعات أن تناقش أخلاقياتها قبل أن تفرضها الخوارزميات واقعًا. أما الحكومات، فدورها أن توازن بين الابتكار والحماية، دون خنق المستقبل أو تركه بلا ضوابط.
ما طُرح في دافوس، وما تبعه من ابتكار فضاء رقمي مواز للفضاء البشري، وما سيتبعه من ابتكارات أخرى لا يجب أن يُقرأ كتحذير نهاية العالم لاحقا بل كجرس تنبيه. الذكاء الاصطناعي لن يسيطر علينا فجأة، لكنه قد يعيد تشكيلنا تدريجيًا إن لم نكن يقظين. والخطر ليس أن تفكر الآلة بدل الإنسان، بل أن يتوقف الإنسان عن التفكير لأنه سلّم قراره لها. وبين التخوف والمنطق، تبقى الحقيقة بسيطة: الذكاء الاصطناعي مرآة لنا. وكلما تأخرنا في ضبط علاقتنا به أخلاقيًا، زادت احتمالات أن نلومه لاحقًا على ما صنعناه بأيدينا.