متابعة / المدى
حذّر مايك مارتن، عضو البرلمان البريطاني عن حزب الديمقراطيين الليبراليين وعضو لجنة الدفاع المختارة واللجنة المشتركة المعنية باستراتيجية الأمن القومي، من أن النظام العالمي القائم ينهار، وأن العالم مقبل على سنوات صعبة ستشهد ولادة نظام دولي جديد، فيما كشفت صحيفة “الغارديان” أن دول الخليج بدأت فعلياً إعادة تقييم منظومتها الأمنية في ضوء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
وفي مقال نشرته صحيفة “التلغراف” البريطانية بعنوان “دمّر ترامب النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة.. استعدوا لخمسة عشر عاماً صعبة”، رأى مارتن أن سلوك واشنطن في الحرب على إيران يفرض “لحظة صدق” مع الواقع الجيوسياسي الراهن.
وعقد الكاتب مقارنة بين رسالة طاقم المركبة الفضائية الأمريكية “أرتميس 2” في رحلتها نحو القمر، التي قال فيها روّادها “كلنا شعب واحد… لكم جميعاً على الأرض… نحبكم”، وبين تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإيران بالقول “ستموت حضارة بأكملها الليلة، ولن تعود أبداً”، و”افتحوا المضيق اللعين، أيها المجانين، وإلا ستعيشون في الجحيم”. ورأى مارتن أن خطاب ترامب يُجسّد “الجانب المظلم” من أمريكا، الذي دعم العبودية تاريخياً ولا يزال حاضراً حتى اليوم.
وأكد الكاتب أن الضرر الذي لحق بهيبة الولايات المتحدة خلال الأشهر الستة الماضية “هائل”، وأن ترامب ارتكب أفعالاً لا يمكن إصلاحها، بحيث لن يصغي العالم مجدداً إلى “الوجه المثالي” لأمريكا.
وأوضح أن الدنماركيين لن ينسوا أطماع ترامب في غرينلاند وتهديده بغزو أراضي حليف في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وأن البريطانيين لن ينسوا إهانته لضحايا الحرب حين قال “لم نكن بحاجة إليهم أبداً… لقد بقوا في الخلف… بعيداً عن خطوط المواجهة”، كما أن حلفاء الخليج لن يغفروا لواشنطن شنّها حرباً على إيران من دون استشارتهم، ثم تهديدها بالانسحاب من المنطقة وترك مصير مضيق هرمز مجهولاً.
ورأى مارتن أن أمريكا لن تتمكن من إصلاح الضرر الذي ألحقه ترامب، وأن هذا الضرر لن يقتصر على الولايات المتحدة وحدها، إذ ستعاني بريطانيا أيضاً معاناة شديدة. وشدّد على ضرورة تقبّل حقيقة أن النظام العالمي القديم قد انتهى، وأن السنوات العشر أو الخمس عشرة المقبلة ستكون بالغة الصعوبة، وأن السبيل الوحيد لتجاوزها مع الحفاظ على المصالح هو “إعادة التسلح بأسرع ما يمكن”.
الخليج يبحث عن تحالفات بديلة
في سياق متصل، سلّطت صحيفة “الغارديان” البريطانية الضوء على موقف دول الخليج من المفاوضات الأمريكية الإيرانية الجارية في باكستان، ومن التحولات التي فرضتها الحرب الأخيرة وما استتبعته من إعادة تقييم للوضع الأمني الإقليمي.
وفي تقرير لمراسلها في إسلام آباد سعيد شاه، بعنوان “دول الخليج تعيد النظر في الأمن في ضوء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران”، أشارت الصحيفة إلى أنه أياً كانت نتيجة محادثات وقف إطلاق النار، فإن المنطقة ستضطر إلى التعايش مع “تهديد مستمر” من النظام في طهران وما تبقى لديه من ترسانة صاروخية.
ووفقاً للتقرير، تسعى دول الخليج إلى تعزيز شراكاتها الأمنية في إطار إعادة بناء اقتصاداتها المتضررة من الحرب، ومواجهة إيران التي باتت أكثر جرأة. غير أن هذه الدول تؤكد أنها لا تستطيع التغاضي عن سيطرة طهران على مضيق هرمز، الممر الرئيسي لمعظم تجارتها، في حين تتمسك إيران بالسيطرة التي فرضتها على الممر المائي خلال الحرب، بما يتيح لها “خنق الخليج متى شاءت”.
ورصد شاه انقساماً خليجياً بشأن مستقبل العلاقات مع إيران؛ إذ يتبنّى تحالف بقيادة الإمارات والبحرين موقفاً أكثر تشدداً، بينما تأمل دول أخرى في تحقيق السلام عبر تجديد العلاقات مع طهران. وفي هذا الإطار، أجرت السعودية يوم الخميس أول اتصال رسمي مع إيران منذ اندلاع النزاع، حيث ناقش وزيرا خارجية البلدين “سبل خفض التوترات لاستعادة الأمن والاستقرار في المنطقة”.
وتوقّف التقرير عند الدور المحتمل لكل من تركيا وباكستان في استراتيجية الأمن الخليجي، بما تمتلكانه من جيوش كبيرة وقادرة، مشيراً إلى أن تحركات في هذا الاتجاه سبقت الحرب؛ إذ وقّعت السعودية اتفاقية دفاعية مع باكستان، فيما أعلنت الإمارات شراكة دفاعية مع الهند. وخلال الصراع الأخير، سارعت السعودية والإمارات وقطر إلى توقيع اتفاقيات دفاعية مع أوكرانيا لمواجهة خطر الطائرات الإيرانية المسيّرة.
لكن “الغارديان” لفتت إلى أن التنافس بين هذه الأطراف، وغموض مواقفها من إيران وإسرائيل، يُعقّدان العلاقات؛ فتركيا وباكستان تتشاركان حدوداً مع إيران ولا ترغبان في الدخول في مواجهة معها.
ومن المرجح أن تنخرط بريطانيا، التي شاركت في الدفاع عن أجواء الخليج خلال الحرب، في هذه العملية أيضاً. وكان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قد وصل إلى البحرين يوم الخميس في إطار جولة خليجية تستغرق ثلاثة أيام، بعد أن ناقش لدى وصوله إلى جدة يوم الأربعاء مع ولي العهد السعودي “كيف يمكن لبريطانيا والسعودية تعزيز تعاونهما في مجال الصناعات الدفاعية لرفع مستوى القدرات وتعزيز الأمن المشترك”.