لم يعد السرطان مجرد تشخيص طبي يدون في ملف مريض، بل أصبح اختبارًا حقيقيًا لقدرة الأنظمة الصحية على التخطيط، والحوكمة، والاستمرارية. فطريقة تعامل أي دولة مع السرطان تكشف الكثير عن نضج نظامها الصحي: هل يكتفي بالعلاج؟ أم يبني منظومة متكاملة تبدأ من الوقاية، وتمر بالكشف المبكر، وتنتهي برعاية إنسانية طويلة الأمد؟
في السعودية، تتضح ملامح هذا التحول من خلال الأرقام. أكثر من أربعمائة ألف حالة سرطان مكتشفة ومسجلة عبر السجل السعودي للسرطان خلال ثلاثة عقود ليست مجرد رقم تراكمي إنما هي قصة نظام قرر أن يوثق، ويقيس، ويتعلم. فوجود سجل وطني معتمد وفق المعايير الدولية يعني أن السرطان لم يترك لقرارات متفرقة، بل أُدرج ضمن رؤية مؤسسية واضحة.
الأهم من التسجيل هو ما تكشفه النتائج. فوجود المملكة ضمن أعلى عشر دول في معدلات النجاة لبعض أنواع السرطان، مثل سرطان القولون والمستقيم، وسرطان الثدي، وسرطان البروستاتا، يعكس تحولًا نوعيًا في جودة الرعاية. هذه المؤشرات لا تتحقق بالعلاج وحده، بل بتكامل سلسلة الرعاية: تشخيص مبكر، مسارات علاج واضحة، توافر دواء، واستمرارية متابعة.
وهنا يتغير فهم السرطان من كونه «مرضًا صامتًا» إلى قضية تنظيمية بامتياز. فالتجربة العالمية أثبتت أن تحسين نتائج السرطان لا يتحقق فقط بوجود أطباء أكفاء أو أجهزة متقدمة، بل بنظام يعرف كيف ينسق بين الجهات، ويضمن العدالة في الوصول، ويمنع التفاوت بين المناطق. هذا ما يفسر التركيز على إنشاء المركز الوطني لطب الأورام، ووضع معايير موحدة لتقييم خدمات الأورام، وإيجاد مسارات عاجلة للحالات الحرجة، وهي قرارات تنظيمية بقدر ما هي طبية.
كما أن السرطان يختبر قدرة النظام الصحي على التفكير طويل المدى. فالمشاركة في البرامج الدولية، والارتباط بمنظمات عالمية معنية بالبحث والوبائيات، ليست مسألة بروتوكولية، بل جزء من بناء معرفة محلية مقارنة، تسمح بفهم الاتجاهات، وتحديد الفجوات، وتحديث السياسات بناءً على الأدلة العلمية والبيانات.
اللافت أن التحول في التعامل مع السرطان لم يقتصر على العلاج إنما امتد إلى ما قبل المرض. فإدراج برامج الكشف المبكر، وإصدار أدلة وطنية مبنية على الجدوى، وليس على الضجة، يعكس وعيًا بأن الوقاية أقل كلفة إنسانيًا واقتصاديًا من العلاج المتأخر. كما أن تحديث قوائم الأدوية الأساسية، وتنظيم الوصول إلى العلاج المتقدم، يشير إلى انتقال من قرارات فردية إلى سياسات صحية متسقة.
لكن ربما يكمن التحدي الأهم في البعد الإنساني. فالسرطان ليس مسارًا علاجيًا فقط، بل تجربة طويلة تمس المريض وأسرته. وهنا يظهر الفرق بين نظام يركز على الإجراء، ونظام يركز على الإنسان. تطوير أدلة للجهات الخيرية، وتنظيم خدمات الدعم، وزراعة النخاع، كلها مؤشرات على أن الرعاية لم تختزل في غرفة علاج إنما توسعت لتشمل جودة الحياة.
في النهاية، السرطان يكشف الحقيقة البسيطة والمعقدة في آن واحد: لا توجد معركة طبية تكسب بالأدوية وحدها. ما يحدث الفرق هو النظام الذي يعرف كيف ينسق، وكيف يقيس، وكيف يتعلم من بياناته، وكيف يحول المرض من أزمة فردية إلى قضية صحة عامة تدار بعقل منظم وقلب حاضر.
وهنا، فإن قصة السرطان في السعودية ليست قصة مرض فقط، بل قصة نظام صحي يتعلم كيف يرى المرض… والأهم كيف يرى الإنسان.