متابعة / المدى
تراجعت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا تراجعاً حاداً، أمس الأربعاء، فور الإعلان عن توصّل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق يقضي بوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، في خطوة قد تُعيد فتح مضيق هرمز مؤقتاً وتُخفّف حدة التوتر في أسواق الطاقة العالمية، فيما حذّر صندوق النقد الدولي من أنّ تداعيات الحرب على النمو والتضخم ستظلّ ممتدة حتى في حال التوصّل إلى تسوية سريعة.
وهوت العقود الآجلة القياسية للغاز الأوروبي بنسبة وصلت إلى 20 بالمئة، مسجّلةً أدنى مستوياتها منذ اندلاع الحرب، عقب موافقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على وقف إطلاق النار لأسبوعين مع طهران، مقابل سماح الأخيرة بمرور آمن للناقلات عبر المضيق. ووفق وكالة “بلومبرغ نيوز”، تراجعت العقود الهولندية لأقرب شهر، وهي المؤشر القياسي للغاز في أوروبا، بنسبة 18 بالمئة لتستقرّ عند 43.70 يورو لكل ميغاواط في الساعة، بحلول الساعة 06:02 صباحاً بتوقيت غرينتش.
متنفّس بعد شلل الإمدادات
وكان الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز، الذي يتدفّق عبره خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً، قد تسبّب في أزمة طاقة عالمية وارتفاع حادّ في أسعار الوقود، لتمثّل الهدنة الراهنة متنفّساً للأسواق التي عانت شلل الإمدادات طوال الأسابيع الماضية.
غير أنّ التفاؤل السعري لم يُبدّد الحذر؛ إذ أسهمت تحرّكات صناديق التحوّط والمضاربين في زيادة حدّة التذبذبات في سوق الغاز الأوروبي، لا سيما مع تراكم رهانات شرائية قياسية قبيل الإعلان عن الهدنة. ولا يزال التجّار الفعليون (Physical Traders) يلتزمون جانب الحذر بانتظار مؤشرات ملموسة على صمود الاتفاق واستمرارية تدفّق الإمدادات، بحسب الوكالة ذاتها.
الطرق كلّها تؤدي إلى تضخّم أعلى
في موازاة ذلك، قدّمت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، قراءة قاتمة لتداعيات الصراع على الاقتصاد العالمي، مؤكّدةً أنّ “الحرب ستؤدّي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي”، وأنّ “جميع الطرق الآن تؤدّي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو”.
وأوضحت غورغييفا، في تصريحات نقلتها وكالة “رويترز” قبيل إصدار توقعات جديدة للاقتصاد العالمي، أنّ الحرب قلّصت إمدادات النفط العالمية بنسبة 13 بالمئة، وأثّرت في شحنات النفط والغاز وسلاسل التوريد المرتبطة بها كالهيليوم والأسمدة. وأضافت أنّه حتى في حال انتهاء الأعمال القتالية سريعاً وحدوث تعافٍ سريع نسبياً، فإنّ ذلك سيؤدّي إلى تعديل نزولي طفيف نسبياً في توقعات النمو، وتعديل تصاعدي في توقعات التضخم، محذّرةً من أنّ تأثير الحرب سيكون أكبر إذا ما طالت.
وأشارت إلى أنّ الدول الفقيرة والأضعف، التي تفتقر إلى احتياطيات الطاقة، ستكون الأكثر تضرراً، وأنّ كثيراً من الدول لا تملك موارد مالية كافية لمساعدة شعوبها على مواجهة ارتفاع الأسعار الناجم عن الحرب. ولفتت إلى أنّ الحرب تسبّبت في أسوأ اضطراب في إمدادات الطاقة العالمية على الإطلاق، إذ توقّف إنتاج ملايين البراميل من النفط نتيجة إغلاق إيران فعلياً مضيق هرمز.
ووفق “رويترز”، يُتوقَّع أن تهيمن الحرب على اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن الأسبوع المقبل، بحضور مسؤولين ماليين من مختلف أنحاء العالم. ومن المنتظر أن يُصدر الصندوق مجموعة من التوقعات في تقريره المقبل “آفاق الاقتصاد العالمي” في 14 نيسان/أبريل، بعدما كان قد أشار في منشور على مدوّنته بتاريخ 30 آذار/مارس إلى احتمال خفض توقعاته، مرجعاً ذلك إلى الصدمة غير المتكافئة للحرب وتشديد الأوضاع المالية.
“أسوأ من سبعينيات القرن الماضي”
وفي قراءة مماثلة، أشار تقرير لصحيفة “ذا تايمز” إلى أنّ مخاطر الحرب على الاقتصاد العالمي “أسوأ من سبعينيات القرن الماضي”، بعد أن أسفر الصراع عن خسارة في إمدادات النفط أكبر ممّا كانت عليه في عامَي 1973 و1979 مجتمعَين، ما أعاد شبح الركود التضخمي إلى الواجهة.
وبحسب وكالة الطاقة الدولية، فإنّ حجم هذا الاضطراب، مقيساً بكميّة الإمدادات المفقودة، يجعل هذه الحرب أكبر من أزمتَي 1973 و1979 مجتمعتَين. وكتب محلّلون في بنك “HSBC” في مذكرة إلى العملاء أنّ “الاقتصاد العالمي يواجه أكبر اضطراب في إمدادات النفط العالمية في التاريخ”. وجاءت الدفعات الأولى من البيانات الاقتصادية التي أخذت الحرب في الاعتبار كما هو متوقّع: تضخّم مرتفع، ونمو منخفض، وقلق لدى الشركات والمستهلكين. من جانبه، قال المدير التنفيذي لشركة “V I Markets”، الدكتور أحمد معطي، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، إنّ تعافي الاقتصاد العالمي عقب الأزمات والحروب لا يحدث فورياً، بل يخضع لمراحل ومعايير متداخلة تختلف مدّتها بحسب حجم التأثيرات على سلاسل الإمداد وقطاع الطاقة. وأوضح أنّ المرحلة الأولى لوجستية، إذ قد تستغرق عودة حركة الشحن والنقل ما لا يقلّ عن شهر، خاصة في ظلّ توقّف السفن خلال فترات التصعيد، والحاجة إلى إعادة تنظيم نقل البضائع عبر ممرات حيوية كمضيق هرمز. أمّا المرحلة الثانية فتتعلّق بتعافي قطاع الطاقة؛ إذ تُشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أنّ الأضرار الكبيرة التي لحقت بالمنشآت قد تتطلّب نحو ثلاثة أشهر من أعمال الصيانة لإعادة تشغيل القدرات المتضرّرة واستعادة مستويات الإنتاج. وشدّد معطي على أنّ التعافي من الآثار التضخمية هو المرحلة الأطول نسبياً، وقد يمتدّ من ثلاثة إلى ستة أشهر، نتيجة التأثيرات الممتدة لارتفاع أسعار الطاقة في تكاليف الإنتاج وسلوك المستهلكين، وهو ما ينعكس على معدّلات الطلب والإنفاق. وأكّد أنّ هذه العوامل مجتمعةً تعني أنّ التعافي الكامل للاقتصاد العالمي يحتاج إلى فترة زمنية أطول، في ظلّ استمرار التأثيرات غير المباشرة على الأسواق والشركات والأفراد.
ثلاثة سيناريوهات زمنية
بدوره، قال كبير محلّلي الأسواق المالية في شركة “FXPro”، ميشال صليبي، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، إنّ التعافي الاقتصادي بعد الحروب يمرّ بعدّة مراحل تختلف مدّتها بحسب حجم الحرب وطبيعتها ومدى تأثيرها على سلاسل الإمداد وقطاع الطاقة. وأوضح أنّ المدى القصير، الممتد إلى ستة أشهر، قد يشهد عودة سريعة نسبياً للأسواق في حال توقّف الحرب، مع ارتداد في أسعار الطاقة وإن بقيت مرتفعة نسبياً، في ظلّ استمرار اضطرابات سلاسل الإمداد وحالة عدم اليقين، وهي مرحلة تتّسم بتقلّبات حادّة من دون تعافٍ فعلي.
وعلى المدى المتوسط، بين 6 و18 شهراً، يبدأ تعافٍ تدريجي، لا سيما إذا جرى احتواء المخاطر الجيوسياسية، إذ يعود إنتاج النفط والغاز تدريجياً، ويتراجع التضخم، وقد تشرع البنوك المركزية في تخفيف سياساتها النقدية، ما يعزّز النمو ويُعيد الثقة إلى الأسواق. أمّا على المدى الطويل، الممتد من عام ونصف إلى ثلاث سنوات، فيُصبح التعافي الكامل أكثر ترجيحاً مع عودة الاستثمارات وانتعاش التجارة العالمية، مدفوعةً بزخم إعادة الإعمار، خصوصاً في قطاعَي البنية التحتية والطاقة، رغم احتمال حدوث تغييرات هيكلية في الاقتصاد العالمي، لا سيما في سلاسل التوريد وموازين القوى الاقتصادية. وأشار صليبي إلى أنّ سرعة التعافي ستبقى مرهونة بعدّة عوامل رئيسية، أبرزها: تطوّرات أسعار الطاقة، وحجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد، وتوجّهات سياسات البنوك المركزية، ومستويات الإنفاق الحكومي وإعادة الإعمار، إضافةً إلى درجة الاستقرار الجيوسياسي في مرحلة ما بعد الحرب.