كان تأثير الفقهاء العرب في المجتمع الأوروبي بدايات تشكيله أكبر أثرًا من تأثير الفلاسفة، ويمكن القول إن عصر النهضة الأوروبية -بخلاف ما يشاع- كان انفصالا ثقافيًا للمجتمعات الأوروبية من تأثير الفلسفة والفلاسفة.
عصر النهضة الأوروبي كان حقبة تاريخية حاسمة في الثقافة الأوروبية، وتمثل بداية الانفصال الثقافي مع العصور الوسطى، أي بداية الانفصال مع الثقافة اليونانية وبداية الاندماج مع الثقافة العربية وتحديدًا مع الثقافة الفقهية وتراث الفقهاء العرب.
في كتابه «صعود المال.. التاريخ المالي للعالم» يقول أستاذ التاريخ في جامعة هارفرد، نيال فيرجسون: «وراء كل ظاهرة تاريخية عظيمة سر مالي، ومن هنا، فإن هذا الكتاب يعتزم تسليط الضوء على أهم هذه الظواهر وأسرارها، فعلى سبيل المثال، أوجد عصر النهضة ازدهارًا كبيرًا في سوق الفن والهندسة المعمارية؛ لأن المصرفيين الإيطاليين، مثل آل ميديتشي (Medici) جمعوا ثروات من خلال تطبيق الرياضيات الشرقية على المعاملات المالية».
هنا يشير نيال فيرغسون للرياضيات الشرقية ولعائلة ميديتشي، التي تُعد من أهم العائلات التي صنعت تحولات اقتصادية وسياسية وثقافية عميقة في المجتمع الأوروبي القديم، ويلمح فيرغسون لأن ظاهرة التقدم الأوروبي مرتبطة بسر مالي، أي أن رؤية التاريخ لا يصح تناولها كسلسلة من الأفكار والفلسفات التي يلعب فيها الفلاسفة دور البطولة في التحولات الثقافية الأوروبية، بل يجب أن ننظر لها كشبكة معقدة من المصالح الاقتصادية التي كان آل ميديتشي أهم اللاعبين فيها.
توسع المال والأعمال بتأثير من شخصيات اقتصادية وسياسية، مثل عائلة ميديتشي يمثل ميزة لعصر النهضة لما يتضمنه من تغير عميق ودائم وتحول في الثقافة والسياسة والفن والمجتمع في أوروبا، فالإنجازات الثقافية والفكرية لعصر النهضة قامت أساسًا على النجاح في مجالي المال والأعمال، فهذا العصر هو مهد الرأسمالية الحديثة والبداية الفعلية لتشكلها، ويمكن ربط الرأسمالية الحديثة تاريخيًا بالرياضيات الشرقية، ولو كان تأثيرها غير مباشر ومر بمراحل وتحولات دامت قرونًا طويلة، وبالتالي كان عصر النهضة الميلاد الحقيقي للإنسان الأوروبي الحديث.
وهنا قد يتساءل بعضنا.. ما علاقة الرأسمالية وعصر النهضة بالفقه والفقهاء؟ لو عدنا لحديث فيرجسون عن تطبيق المصرفيين الإيطاليين للرياضيات الشرقية، فما حقيقة الرياضيات الشرقية التي أشار لها؟ الرياضيات الشرقية وصف عام ولو أردنا تخصيصه فالمقصود به تطبيق مبادئ ومفاهيم علم الجبر، وكما هو معروف أن علم الجبر في حقيقته ليس إلا نشاطًا فقهيًا أسسه الفقهاء لمعالجة قضايا فقهية.
الجبر لم يطور بدافع علمي مجرد فقط، بل لخدمة قضايا فقهية، مثل تقسيم المواريث والوصايا وحساب الديون وفض النزاعات المالية، نشأ علم الجبر كأداة لضبط العدالة الاقتصادية وفق الشريعة الإسلامية، فالفقهاء احتاجوا للدقة الحسابية لحل مسائل معقدة مثل تقسيم التركة التي تحتوي في حالات شائعة على كسور متعددة، الفقه الإسلامي أسهم في خلق عقلية تجريدية ومنظمة، وهي نفس العقلية الرياضية التي تحتاجها الأسواق المالية لاحقا.
علم الجبر مهد لظهور المحاسبة الحديثة بعد أن تغير سياقه وأصبح أداة للتجار، ودخل في حساب الأرباح وتحويل العملات وتقسيم الصفقات، في كتابه «عصر النهضة» يقول المؤرخ البريطاني جيري بروتون: «يجدر بنا أن نتذكر أن علامات الجمع (+) والطرح (-) والضرب (x) لم تكن معروفة في أوروبا قبل القرن الخامس عشر، وهذا النوع من الممارسة التجارية العربية الذي استعاره فيبوناتشي اعتمد على تطورات عربية سابقة في الرياضيات وعلم الهندسة».
في أوروبا تحول الجبر من أداة فقهية إلى أداة تجارية ومصرفية، فاستخدمه التجار والمصرفيون في حساب الأرباح وتقسيمها، وتقييم المخاطر وتحويل العملات، وعائلة ميديتشي استفادت من هذه الأدوات في تطوير المحاسبة، وتحسين إدارة الأموال وتوسيع التجارة، فكانت النتيجة تراكم الثروة وتمويل الفن والثقافة والعمارة الذي أدى لازدهار ثقافي واقتصادي ألقى بظلاله على المجتمع بشكل شامل.
رحلة طويلة قطعها علم الجبر وتحول فيها من أداة فقهية إلى بنية تحتية للنظام المالي العالمي، وفي القرون اللاحقة تطور الجبر ليصبح أداة لحساب الفائدة المركبة ونماذج الاستثمار وتحليل الأسواق، وأصبح أساس البنوك والشركات والأسواق المالية.
عصر النهضة -خلافا لما يشاع- كان «انفصالا ثقافيًا عن العصور الوسطى (عصور الظلام) وعن الفلسفة اليونانية القديمة وما تحويه من انشغال بالغيبيات والمسائل الميتافيزيقية، كما كان بداية للاندماج الثقافي مع التراث الفقهي، ما يظهر دور الفقه والفقهاء في تشكيل الأسس التي بنيت عليها الثقافة الغربية الحديثة.