«نركسوس»، ذلك الفتى الأسطوري الإغريقي، لم يكن مريضًا بالحب، بل مسكونًا بالانعكاس. لم يمت لأنه أحب نفسه، بل لأنه لم يرَ سواها. ومن هذه الأسطورة القديمة، وُلد مفهوم حديث «النرجسية» الذي لا يزال يتبدل مع تبدل الوسائط.
النرجسية، في معناها النفسي، هي تضخم الإحساس بالأهمية الذاتية، تعطش دائم للإعجاب، وتآكل بطيء للتعاطف. لكنها اليوم لم تعد حكرًا على العيادات النفسية. لقد خرجت إلى الفضاء العام، إلى الشاشات، إلى الإعجابات، إلى اقتصاد الصورة.
فالشبكات الاجتماعية لم تعد مجرد أدوات تواصل، بل أصبحت مسارح دائمة، يُطلب فيها من الفرد أن يؤدي دور النسخة الأفضل من نفسه، حتى لو كانت هذه النسخة وهمًا مصقولًا بالفلاتر. وكما يقول الفيلسوف الفرنسي جان بودريار: «نحن لا نعيش في عالم الواقع، بل في تمثيلاته».
من هنا، لم تعد النرجسية مجرد غرور، بل ضرورة اجتماعية غير معلنة. أن تكون مرئيًا يعني أن تكون موجودًا، وأن تُنسى يعني أن تُلغى.
لكن الخط الفاصل بين النرجسية «الوظيفية» والنرجسية المرضية دقيق وخطير. فحين تصبح الرغبة في الاعتراف غاية في ذاتها، لا وسيلة للتواصل، يتحول الإنسان إلى سجين تقييم الآخرين. عندها، تختزل العلاقات في مظاهر، ويُقاس القرب بعدد التفاعلات، لا بعمق المعنى.
هنا تظهر النرجسية المرضية، حيث تتلاقى مع صفات أخرى فيما يسميه علماء النفس بـ«الثالوث المظلم»: النرجسية، الميكافيلية، والسيكوباتية. صفات لا تعني بالضرورة الجنون، لكنها تشير إلى خلل أخلاقي في العلاقة مع الآخر. وكما نبّهت حنّة أرندت: «أخطر الشرور هي تلك التي لا تبدو شريرة في ظاهرها».
نعيش اليوم في مجتمع لا يخاف الألم بقدر ما يخاف التجاهل. الخوف الأكبر لم يعد الفشل، بل عدم الاعتراف. وهكذا، تتحول الصورة الاجتماعية إلى قيمة عليا، تعيد تشكيل السلوك، وتعيد ترتيب القيم، بل وقد تبرر العنف الرمزي، والتنمر، والإقصاء.
حتى أماكن العمل لم تعد بمنأى عن هذا المنطق. فالسعي إلى السلطة، والظهور، والكاريزما المصطنعة، بات يُكافأ في بعض البيئات المهنية. ومع صعود «المؤثرين»، أصبحت الذات سلعة، وأصبح تحسين الصورة مهنة بحد ذاتها. يقول إريك فروم: «في المجتمع الاستهلاكي، الإنسان لا يبيع ما ينتجه، بل يبيع نفسه».
ورغم كل ذلك، لا يمكن اختزال النرجسية في كونها شرًا مطلقًا. فهي، في بعض تجلياتها، آلية تكيف، وطريقة للبقاء في عالم صاخب ومكتظ بالصور. الإشكال لا يكمن في حب الذات، بل في غياب التوازن بين الذات والآخر.
فكما أن إنكار الذات يُميت الإنسان، فإن تأليهها يعزله. وربما كانت الحكمة، كما قال أرسطو قديمًا: «الفضيلة تكمن في الوسط».
فالنرجسية اليوم ليست مجرد مرض نفسي، بل خطاب اجتماعي، وأداة ثقافية، وموقف وجودي. إنها مرآة نرى فيها أنفسنا، لكنها قد تتحول إلى جدار يحجب العالم عنا.
وفي عصر لا يكف عن المطالبة بالظهور، ربما يكون الفعل الأكثر شجاعة هو أن نتعلم متى نغلق الكاميرا، وننظر خارج الإطار، حيث لا تصفيق ولكن معنى.