الثقافة التي لا تتقبل الخطأ تزرع في الرياضي خوفًا دائمًا من التجربة. اللاعب لا يفكر في الإبداع، بل في النجاة. لا يسأل: ماذا أستطيع أن أفعل؟ بل: ماذا سيقال عني إن أخطأت؟ وهنا تبدأ المشكلة النفسية قبل أن تبدأ المشكلة الفنية. الخوف من النقد، التوقعات المبالغ فيها، والخشية من التعبير أو الاعتراض، كلها تتحول إلى قيود غير مرئية تشلّ الحركة داخل الملعب وخارجه.
الرياضي الذي يعيش تحت سلطة نقد دائم لا يلعب بحرية. في التدريبات، يتحفظ. في المباريات، يتردد. وفي المنافسات الكبيرة، يتجمّد.
الضغط لا يكون من الخصم، بل من الجمهور، والإعلام، والإدارة، وأحيانًا من البيت ذاته. هذه البيئة تُرهق الجهاز العصبي، وتجعل الرياضي في حالة تأهب مستمر، وكأن كل لحظة هي اختبار مصيري.
ولا يتوقف الأثر عند الأداء فقط، بل يمتد إلى النوم، والتركيز، والتعافي. الرياضي الذي يخاف الخطأ لا ينام بعمق، لأن العقل لا يتوقف عن إعادة المشاهد، ولا عن توقع السيناريوهات السلبية.
قلة النوم تعني تعافيًا أضعف، وتركيزًا أقل، وإصابات أكثر. وهكذا ندخل في حلقة مفرغة: ضغط نفسي ثم أداء متذبذب ثم نقد أقسى ثم ضغط أعلى.
واحدة من أكثر النقاط حساسية في هذا السياق هي الدعم الأسري. حين لا يجد الرياضي في أسرته مساحة أمان، يصبح وحيدًا في مواجهة الضغط. الرياضي الذي يسمع في البيت لغة لوم أكثر من لغة دعم، يفقد الرغبة في التطور. لأن الإنسان لا ينمو في بيئة يشعر فيها أن قيمته مشروطة دائمًا بالنتيجة.
الأخطر من ذلك هو تربية الرياضي على ربط قيمته الذاتية بأدائه فقط. حين يُقال له منذ الصغر: أنت جيد لأنك فزت، أو لأنك سجلت، أو لأنك تألقت. فإن الرسالة الضمنية تكون قاسية: إن أخطأت… فأنت لست جيدًا.
هذا النوع من التربية يجعل الرياضي هشًا نفسيًا. عند أول فشل، أو إصابة، أو تراجع مستوى، يكون قابلًا للانهيار، لا لأنه ضعيف، بل لأنه لم يُبنى على أساس إنساني متين.
الرياضي ليس آلة نتائج. هو إنسان يحمل مشاعر، وخوفًا، وطموحًا، وأسئلة داخلية. وعندما تُقمع هذه الجوانب بحجة الانضباط أو الاحتراف، فإننا نخسر اللاعب على المدى الطويل، حتى لو ربحنا مباراة قصيرة المدى.
من هنا، يصبح وجود الدعم النفسي داخل الأندية ضرورة لا خيارًا. ليس دعمًا إسعافيًا عند الأزمات فقط، بل عمل مستمر لبناء الشخصية، وإعادة تشكيل الهوية، وتعليم الرياضي كيف يفصل بين قيمته كإنسان وأدائه كلاعب.
كيف يخطئ دون أن ينهار. كيف يتلقى النقد دون أن ينهزم داخليًا. وكيف يعبر عن رأيه دون خوف.
الأهم من ذلك هو حماية اللاعبين الناشئين والأطفال. الطفل الرياضي يحتاج إلى رعاية قبل أن يحتاج إلى بطولات. وحين تُمارس عليه سلطة إدارية أو فنية قاسية، دون حماية نفسية، فإننا نعرّضه لمخاطر طويلة الأمد: قلق، احتراق نفسي، فقدان شغف، أو انسحاب مبكر من الرياضة.
الرياضة الصحية تبدأ بثقافة صحية. ثقافة ترى الخطأ معلمًا لا عدوًا. ترى النقد أداة تطوير لا سلاح إقصاء. وترى الرياضي إنسانًا قبل أن يكون مشروع فوز.
حين نغيّر الثقافة، يتغيّر الأداء تلقائيًا. وحين نحمي النفس، نحمي الموهبة. وهذا هو الاستثمار الحقيقي في مستقبل الرياضة.