فالمعركة لم تكن مجرد عملية عسكرية محدودة، بل إنجازاً سياسياً ومعنوياً أيضاً أنهى حالة غير طبيعية في حلب استمرت أكثر من عام، وأعاد طرح سؤال جوهري حول مستقبل «قسد» وخياراتها الواقعية في المرحلة المقبلة.
عندما انطلقت معركة «ردع العدوان» في نوفمبر 2024، كانت حلب أولى المدن التي خرجت من قبضة النظام البائد، غير أن قوات التحرير آثرت آنذاك ترك الحيين ذوي الغالبية الكردية تحت سيطرة «قسد» مؤقتاً، أملاً في التوصل إلى اتفاق شامل يراعي تعقيدات الملف ويجنب المدينة مزيداً من الدماء. لكن هذا الرهان اصطدم بتعنت قيادة «قسد» وفشل المفاوضات الأسبوع الماضي، ما فتح الباب أمام تصعيد عسكري خطير داخل المدينة.
شهدت حلب خلال الأيام الأخيرة التي سبقت العملية العسكرية هجمات نفذتها «قسد» على حواجز الجيش، ترافقت مع قصف عشوائي طال أحياء مأهولة بالسكان، وأسفر عن سقوط قتلى وجرحى من المدنيين والعسكريين. أمام هذا الواقع، لم تعد الحكومة قادرة على الاستمرار في سياسة ضبط النفس، فكان قرار الحسم العسكري خياراً اضطرارياً لا مفر منه.
العملية العسكرية اتسمت بدرجة عالية من التنظيم والانضباط، إذ وجّه الجيش السوري دعوات متكررة للمسلحين لمغادرة الحيين بأمان، وفتح ممرات إنسانية لإجلاء المدنيين وتأمين مراكز إيواء لهم، كما نشر تحذيرات مسبقة وخرائط دقيقة للأهداف العسكرية، في محاولة لتجنيب المدنيين وقطع الطريق على أي استثمار سياسي أو إعلامي للعملية من قبل الخصوم.
نتائج المعركة كشفت طبيعة القوى المسيطرة على الحيين، إذ أعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا، أن عدداً من المسلحين فيهما من جنسيات تركية وإيرانية ينتمون إلى حزب العمال الكردستاني (PKK) المصنف تنظيماً إرهابياً في تركيا والولايات المتحدة وأوروبا، إضافة إلى عناصر من أجهزة أمن النظام البائد لجأت إلى الحيين بعد سقوط الأسد وانخرطت في صفوف الحزب. كما أشار إلى أن الوقائع كشفت عن إعدامات نفذها مقاتلو حزب العمال الكردستاني طالت أكراداً رفضوا حمل السلاح ضد الدولة، ما أسقط نهائياً ذريعة «حماية المكوّن الكردي» التي طالما رفعتها «قسد».
بخروج الأشرفية والشيخ مقصود من سيطرة «قسد»، خسرت الأخيرة إحدى أهم أوراق الضغط التي كانت تساوم بها دمشق على مدى عام، وقلّص قدرتها على فرض شروط أو كسب وقت في أي مسار تفاوضي مقبل، وبرز في المقابل ضعف قيادة «قسد» السياسية والعسكرية، التي اكتفت ببيانات الشجب دون أي تحرك فعلي لمساندة مسلحيها. ولا شك أن هذا المشهد ترك أثراً عميقاً في صفوف مقاتلي القوات التابعة لها شرق البلاد الذين باتوا يدركون أن الحماية السياسية والعسكرية ليست مضمونة عند أول اختبار حقيقي كالذي حدث في حلب، خصوصاً مع انتشار مقاطع تُظهر التقدم السريع للجيش واستخدامه أسلحة دقيقة غيّرت قواعد الاشتباك.
كما كشفت الوقائع عن وجود مقاتلين من حزب العمال الكردستاني وعناصر من النظام البائد، إضافة إلى ارتكاب انتهاكات بحق أكراد رفضوا القتال، ما أضعف الخطاب الذي لطالما استخدمته «قسد» لتبرير سيطرتها، وجرّدها من غطاء أخلاقي داخلي وخارجي.
إقليمياً ودولياً، جاء التوقيت في صالح الدولة السورية. وباستثناء إسرائيل، التي سارعت إلى العزف على وتر «استهداف الأقليات»، ركزت مواقف الدول الأخرى خصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا على إدانة أعمال العنف التي تستهدف المدنيين ودعوة مختلف الأطراف إلى ضبط النفس ووقف إطلاق النار. ويعكس هذا تحوّلاً في المزاج العام باتجاه دعم سوريا موحدة وقوية، ورفض بقاء كيانات مسلحة منفصلة تشكل بؤراً قابلة للانفجار في أي لحظة وتعرقل مسار التعافي والاستقرار.
في هذا السياق، تواصل «قسد» الرهان على عامل الوقت، ويبدو أنها دفعت بالتصعيد في الأشرفية والشيخ مقصود على أمل حدوث انتهاكات تساعدها في إحداث تغيير في الموقف الدولي تجاه دمشق، إضافة إلى التعويل على دعم أطراف إقليمية لا يسرّها استقرار الحكم الجديد، وفي مقدمتها إيران وإسرائيل. غير أن هذه الرهانات تبدو ضعيفة في ظل انشغال إيران بأزماتها الداخلية، وحدود القدرة الإسرائيلية على فرض وقائع ميدانية في ظل الضغوط الأمريكية، مقابل الدعم المتنامي الذي تحظى به الحكومة السورية من دول الخليج ولا سيما السعودية وقطر، إضافة إلى تركيا التي تعتبر إنهاء وجود «قسد» أولوية أمن قومي نظراً للارتباط الوثيق بين التنظيم وحزب العمال الكردستاني.
أمام هذا المشهد، لا تبدو الخيارات أمام «قسد» مفتوحة على مصراعيها. فالخيار الأول، والأقل كلفة، يتمثل في الاندماج ضمن الدولة السورية عبر حل بنيتها العسكرية والانخراط في المؤسسات الرسمية وفق اتفاق 10 مارس 2025، بما يضمن حقوق المكوّن الكردي ضمن إطار وطني جامع. أما الخيار الثاني، فهو الاستمرار في سياسة المماطلة وكسب الوقت، وهو مسار ينذر بتآكل النفوذ وفقدان ما تبقى من أوراق القوة في مقابل صعود الحكومة السورية وتثبيت أركانها. بينما يبقى الخيار الثالث، أي التصعيد العسكري، مقامرة خاسرة في ظل اختلال موازين القوى وغياب الغطاء الدولي.
ما جرى في حلب لم يكن مجرد معركة عسكرية، بل نصراً إستراتيجياً ورسالة سياسية واضحة مفادها أن مرحلة الكيانات المسلحة الخارجة عن الدولة تقترب من نهايتها. والسؤال المطروح اليوم ليس ما الذي تستطيع «قسد» تعطيله، بل ما الذي يمكنها إنقاذه قبل أن تُغلق نافذة الفرص السياسية نهائياً.