وخلال ذلك يبقى قانون الأشياء التي فشلنا في تعريفها نافذا يعمل في حياتنا ويسيرها، تماما كما تسير الشمس حياة إنسان ينكر وجودها بتعريف مغالط. ولا ريب في أن البحث عن التعريفات قد جاءنا من الغرب، من أوروبا التي يتصف الفكر فيها بأنه متشكك قاصر عن أن يتحسس البصيرة المضيئة التي ركبتها الطبيعة في الإنسان. وأما نحن في هذا الشرق العربي فإننا نملك من روحانية الطبع وغزارة العاطفة ونقاوة الإيمان ما يجعلنا نقف خاشعين مبهورين أمام المغيب
والمجهول، سواء كان ذلك في أعماق كياننا الإنساني المبهم، أم في الكون الكبير كله. ولقد حاول الغرب أن يشككنا في قيمة هذه الصفة فينا كل التشكيك، غير أنها بقيت ذلك مزية فينا لأنها لا تصدر عن اتصالنا بالأعماق الفطرية للإنسان. لقد وقفنا دائما خاشعين أمام الطبيعة وأمام الإنسان فتقبلنا الحقائق الكبرى تقبل تسليم دون أن نناقشها أو نحاول تعريفها. وكان ذلك هو أساس حكمتنا الشرقية.
لا، لم نحاول أن نعرف أشياء مثل «الله» و «العروبة» و «الجمال» و «الروح» و «الغيب» و «العاطفة»؟
لم نحاول ذلك حتى جاءنا هذا العصر الحديث الذي أسلم قياد أذهاننا إلى أوروبا المتشككة. لقد افتقرت روحيتنا إلى درجة أننا أصبحنا لا نستطيع أن نستمتع بدفء الشمس قبل أن نجد تعريفا لهذه الحرارة السحرية التي تغرق كياننا كله وتملانا بالنشوة والخدر اللذيذ.
ولم يعد في إمكاننا أن نشعر بعذوبة قوميتنا العربية إلا إذا حصلنا أولا على تعريف شامل شاف لها. ونحن في ذلك أشبه بإنسان يمتص قصب السكر ويرفض أن يجد له لذة إلا إذا لجأ إلى مختبر وحلل السكر إلى جزئياته أولا.
وهكذا بتنا نسمع السؤال يضج ويصرخ ويدوي:
ما هذه القومية العربية؟ وما تعريفها؟
ولاح السؤال للمستعجلين والبسطاء – ذكيا ومفحما، ووقفوا عنده حائرين، كما يقف إنسان نفاجئه بالسؤال: «ما الجمال؟ ما تعريفه؟ » فالحق أنه سؤال عريض. وإذا نحن عجزنا عن إعطاء تعريف فالمشكل خطير. ذلك أن عصرنا المريض بحب التعريفات على استعداد لأن يعتقد بأن ما لا يعرف لا وجود له.
ونتيجة إخفاقنا في صياغة تعريف للقومية العربية سنقضي عليها في نظر بعض الناس بأن تختفي وتتلاشى وتصبح فارغة لا كيان لها.
1960*
* شاعرة وكاتبة عراقية «1923-2007»