ربما يكون التسامح مع التغريد الإعلامي خارج سرب الدولة أمرًا حمالا لوجهات النظر في أزمنة السلم، أما في الحرب فيجب أن تطال الرقابة والمحاسبة كل كلمة أو صياغة أو تلميح.
وهذه ليست دعوة للوصاية على حرية الإعلام، بل لوضع الحدود الفارقة بين إعلام يقف عند الحدود الأخلاقية والوطنية وآخر مختطف يعمل كذراع نفسية خارج المساءلة.
الحرب ليست ظرفًا عاديًا، فالكلمة قد تكون رصاصة، والتأطير الخاطئ يمكن أن يتحول إلى ضربة معنوية للداخل، وهذا المعنى تؤكد عليه جهات متعددة كما نرى في أدبيات «اليونسكو»، وكذلك «اللجنة الدولية للصليب الأحمر»، التي ميزت بين حرية العمل الصحفي وبين مخاطر «المعلومات الضارة» في النزاعات المسلحة، وعرفتها بأنها المعلومات المضللة أو المحرفة أو الموضوعة في سياق يفاقم الأذى على المدنيين والمجتمعات.
هذه الظاهرة تترجم تقنية إعلامية تعرف في دراسات الاتصال الإستراتيجي بأنها «تسليح المعلومات»، وتعتمد على خلق «البيئة الرمادية»، حيث تصبح المنصات والرسائل جزءًا من أدوات الصراع، فالتغطية الإعلامية لا تنقل الواقع كما هو، بل تعيد ترتيبه عبر ما يسمى بالتأطير؛ أي اختيار ما الذي يقدم على أنه جوهر القصة، ومن هو الضحية، ومن المعتدي، ما الذي يحذف أو يهمش، وما الذي يضخم، وما هي المفردات التي تبنى بها العاطفة العامة، ما هي طريقة صياغة العنوان، وترتيب الضيوف، واختيار الأسئلة.
وعندما يخضع هذا التأطير لميول فردية لا لسياسة تحريرية منضبطة ومسؤولة فإن القناة هنا تخرج عن كونها وسيطًا، وتتحول إلى صانع للإدراك الجمعي الذي قد يكون مضادًا لمصالح البيئة السياسية والأمنية التي يعمل من داخلها.
الإعلام في لحظة النزاع يشبه السلاح أكثر مما يشبه الخدمة العامة المحايدة.
وإذا كانت الميليشيات التي تحمل السلاح خارج ضبط الدولة تشكل عبئًا على الأمن، فالإعلام كذلك: إذا خرج عن بوصلة المصلحة العامة، وصار أداة لمزاج مذيع غير ناضج يريد أن يبدو بطلا على الشاشة، أو استعراض محرر غير مسؤول، أو رهانات الشبكات غير المرئية فإنه يصبح ميليشيا رمزية تفتح ثغرات في الجبهة الداخلية، وتخدم رواية الخصم، وتخلط بين ما هو معلومة وما هو تعبئة.
وفي هذه الحرب شاهدنا قنوات تتصرف كأنها كيان مستقل عن محيطها السياسي والأمني، مع أنها تعمل في قلبه وتستفيد من مظلته وهذه مفارقة خطيرة.
المطلوب هنا إعلام متوازن يظل قادرًا على النقد والتحليل دون التفريط بمسؤوليته الأخلاقية والوطنية، فالإعلام يخوض نصف المعركة، وكل ميكرفون منشق هو صاروخ موجه في الاتجاه المعاكس.