قبل أن يُرجئ الرئيس الأمريكي تنفيذ إنذار الـ 48 ساعة ليمنح التفاوض فرصة ثالثة (بعد يونيو 2025، وفبراير 2026) كرّر بشكل يومي أن «الحرب انتهت عملياً»، لكنه تجنّب الإعلان «الرسمي» بأن الولايات المتحدة انتصرت في هذه الحرب. أما حليفه رئيس الوزراء الإسرائيلي فكان أكثر وضوحاً بإعلان «الانتصار» ووضعه في سياق توراتي- تاريخي، وآخر «مستقبلي» عنى به أن إسرائيل غيّرت وجه الشرق الأوسط وستقوده، بعدما تمكّنت من هزيمة إيران. لكن «المنتصرَين»، دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو، لم يتلقيا بعد «صك الاستسلام» الإيراني، وبالتالي فإن الحرب لم تنتهِ. على العكس، تعالت الانتقادات في واشنطن (رافضةً إدارة الحرب والتخطيط لها والذهاب إليها «من أجل إسرائيل»)، وكذلك في إسرائيل (معتبرةً أن وقف الحرب الآن سيمكّن النظام الإيراني من إعلان «انتصاره» على رغم كل ما تعرّض له)… إذاً، لا بد من الاستمرار في الحرب، وطالما أن شهراً كاملاً من الضربات الجوية لم يكن حاسماً، فقد تحتم الارتقاء إلى درجة أعلى من الأسلحة والتكتيكات.
قبل الجولة التالية، التي يُفترض أن تكون الأخيرة، لا بد من المرور بـ «جولة تفاوضية» (قد تحصل في إسلام أباد) لأهدافٍ أربعة: أولاً، منح إيران فرصة دبلوماسية «أخيرة» لقبول شروط إنهاء الحرب، والأرجح أنها لن تفعل. ثانياً، إثبات عدوانية إيران وإرهاب اعتداءاتها على دول الجوار الخليجي. ثالثاً، تأكيد أنها مصدر تهديد لـ «السلام العالمي» ببرنامجيها النووي والصاروخي وبأذرعها الإقليمية التي تعبث بالاستقرار الهش في العراق ولبنان واليمن. وبالتالي، رابعاً، تبرير التصعيد الآتي للعمليات القتالية كوسيلة وحيدة لإنهاء الحرب وتجنّب أزمة اقتصادية عالمية.
لكن، لا بدّ من التذكير بأن التفاوض في الجولتين السابقتين فشل أو أُفشل، إذ دار حول «شروط استسلام» حدّدتها واشنطن وتمسّكت بها، وانتهى الجانب الإيراني إلى رفضها، لأن قبولها يفضي عملياً إلى «تغيير النظام». واقعياً، تُعتبر هذه الشروط نسخة أكثر تشدّداً لما طُرح عام 2018 بعد انسحاب أمريكا- ترمب من اتفاق 2015 والسعي إلى اتفاق جديد. الفارق هذه المرة أنها تُملى على إيران وأذرعها وهما أقلّ قوّةً وقدرةً مما كانتا عليه.
يعتقد ترمب وفريقه أن الواقع الجديد الذي فرضته الحرب أفقد إيران فرصة استنقاذ نفسها باستخدام ترساناتها ووكلائها، ولا داعي لمساعدتها، لذلك يُفسّر الذهاب إلى التفاوض بأنه فرصة لتفادي دفع الأوضاع إلى فوضى عامة داخل إيران. لم تشهد طهران طوال الحرب أي تضامنٍ دولي أو إقليمي معها، وحتى الأطراف التي رفضت الحرب «لعدم ارتكازها إلى القانون الدولي» أو توسطت لنقل رسائل بينها وبين واشنطن لم تبلغ حد استعداء الولايات المتحدة من أجلها. لم يتضامن مع إيران سوى الميليشيات التي سلّحتها وموّلتها وباتت عبئاً داخلياً تطمح بلدانها وشعوبها للتخلّص منه، لذلك ضمّنت طهران للمرة الأولى «وقف العدوان على جماعات المقاومة» في شروطها الخمسة لإنهاء الحرب، لكن حتى لو نجحت المفاوضات فإنها لن تنقذ تلك الميليشيات.
تبدو خريطة الطريق واضحة في توجّهها إلى عمليات برّية للسيطرة على جزر خرج أو لارك أو أبو موسى، أو على الساحل الإيراني، فواشنطن لا تحرّك آلاف الجنود الأمريكيين من أماكن انتشارهم إلا للحاجة إليهم. لكن هل ينجزون المهمة بسرعة ليقفلوا عائدين إلى مراكزهم، وهل يستطيعون فتح مضيق هرمز وتأمينه؟ نجحت إيران في استجلابهم إذ استخدمت ورقة إغلاق هذا المضيق لإطالة الحرب وزيادة كلفة الحرب ومفاقمة أزمة الطاقة، ومع استعدادها لإغلاق باب المندب عبر الحوثيين قد تتسبب باستدعاء المزيد من القوات البرّية، وفي مواجهة هذا التطوّر لوّحت إيران بأن لديها جيشاً من «الانتحاريين». قد لا يغيّر هؤلاء مسار الحرب لكنهم يطيلونها، في تكرار لتجربة العراق.
* ينشر بالتزامن مع موقع «النهار العربي»