هذه ليست نهاية «نظام مادورو» بعد. قد تكون بداية النهاية، فإمّا أن تنجح البراغماتية في تجاوز العاصفة العاتية للحفاظ على الدولة ومن ثمّ الاحتكام الى انتخابات غير مزوّرة، أو يتغلّب تيار اليسار الثوري فيدفع بفنزويلا الى حروب أهلية لا يُعرف كم تمتد زمنيا وإلى أي نظام آخر تقود. في الحالين باتت الولايات المتحدة متدخّلة لترجيح الكفّة لمصلحتها… لكن ماذا عن إيران في ضوء هذه الاحتمالات؟ هنا أيضا، ومع افتراض أن النظام يدنو من نهايته، ليس هناك بديل جاهز. برزت مجددا خلال الاحتجاجات الشعبية الراهنة مُطالَبة بعودة النظام الملكي السابق لكنها مدعومة إسرائيليا ولا تتمتع بقبول شعبي واسع، وفي المقابل ذُكر أن هناك بحثا أمريكيا عن شخصيات يمكن أن تشكل نواة مرحلة انتقالية، وهذا يفترض بدوره أن يكون هناك تواصلٌ نوعي متقدم مع أطراف وثيقة العلاقة مع سياسيين وبالأخص مع عسكريين داخل النظام نفسه.
في هذا السياق ينبغي تمحيص فرضية تغيير النظام و/ أو سقوطه وانهياره، وهل باتت احتمالا قريبا أو وشيكا. لا يمكن تصوّر أي سيناريو استنادا الى معطيات الحرب النفسية الدائرة حاليا ضد هذا النظام. ففي الداخل أصبح واضحا أن فشله في تأمين أبسط الخدمات (الماء والكهرباء) وفي دعم الأمن الغذائي من خلال تصحيح وضع العملة الوطنية كان نتيجةً لإخفاقه المستمر في حل مشكلة العقوبات، لذلك بلغ اليأس الشعبي حدّا غير مسبوق. وفي الخارج ليست له دولٌ حليفة أو صديقة يمكن أن تدافع عنه بفاعلية، فالاتفاقات التي تربطه بالصين وروسيا أتاحت لبكين شراء نفط بأرخص الأسعار ولموسكو مواصلة بيع معدات للبرنامج النووي وطائرات حربية، لكن ثبت أنها لا تلزمهما بالتدخل إذا ما تعرّضت إيران لاستهدافات إسرائيلية أو أمريكية. وبعد تراجع النفوذ الإقليمي لإيران لم يبقَ للنظام سوى ميليشيات أنشأها وموّلها وسلّحها وأدلجها لكنها ضعفت أيضا، وعدا ذلك فلا مؤيدون يدعون إلى الحفاظ على نموذجه.
من بين التقويمات الأخيرة لمدى تماسك النظام ونجاعة إجراءات ترميم قدراته الأمنية التي ضربتها أمريكا وإسرائيل، هناك خلاصتان: أولا، أن النظام لا تُسقطه الاحتجاجات الشعبية مهما كبرت وتمددت، لأنه لن يتردّد في إعمال العنف الدموي ضدها. وثانيا، أنه يسقط فقط بتدخل خارجي، وبسيناريو مختلف عن الحرب السابقة، وهذا يتطلّب وجود محاربين منظّمين على الأرض، بل يتطلّب مثلا أن تكون هناك وحدات من الجيش و«الحرس» مستعدة للانشقاق والتخلي عن المرشد (الذي يجري البحث حاليا في اختيار خلفٍ له) ولإخراج مناطق حيوية عن الولاء للنظام. هذه الاحتمالات قد تكون خيالية أو وصفة لاحتراب وفوضى داخليين، لكن أي خيارات أخرى لا تبدو واقعية بالنظر الى طبيعة التركيبة العسكرية للنظام.
حاول النظام عبر قنوات عدة إيجاد مخارج لكنه تأخر كثيرا. وربما كانت اشتراطاته لاستئناف التفاوض مع واشنطن محقّة، بل لعله استنتج أن واشنطن لا تهدف فعلا إلى إسقاط النظام. لكنه فهم جيدا أن واشنطن تريد إجباره على التنازل، وكان دونالد ترمب دعاه إلى «الاستسلام». فالعودة إلى التفاوض ممكنة لكنها بالغة الصعوبة إذ تنتظر موافقة إيرانية مسبقة على الشرط الأمريكي: التخلي كليا عن البرنامج النووي. المؤكّد أن النظام لا يستطيع تقديم هذا التنازل، لذا عمد بنيامين نتنياهو إلى فتح ملف البرنامج الصاروخي واعتباره «تهديدا وجوديا» لإسرائيل، مروّجا لحرب جديدة تكون مدخله إلى الانتخابات المقبلة. وفي لقائه مع ترمب في فلوريدا نال ضوءا أخضر للاستعداد للحرب على أن يبقى القرار أمريكيا. أما ترمب نفسه فلا شيء يمنعه، بعد عملية كراكاس، من تغيير موقفه بالنسبة إلى تغيير النظام في طهران، لكنه سيمنحه بعض الوقت، ريثما يتقدّم نحو إنهاء حرب أوكرانيا. أما النظام الإيراني فيبدو أنه يراهن- بلا جدوى- على تغيير في الشروط الأمريكية إذا جاءت الانتخابات النصفية (في نوفمبر) بنتائج معاكسة لمصلحة ترمب وغالبيته الجمهورية في الكونجرس…
* ينشر بالتزامن مع موقع «النهار العربي»