في أسواق المال الحديثة، لم تعد مهنة التدقيق نشاطًا تقنيًا يقتصر على فحص الأرقام، وإنما تحولت إلى ركيزة ثقة تقوم عليها قرارات الاستثمار والحوكمة. هذه المكانة تكشف خللين متلازمين يثقلان السوق: تركّز الأعمال في عدد محدود من الشركات العالمية، وتداخل خدمات التدقيق مع الاستشارات لدى الجهة نفسها. ومع اتساع حجم الاقتصاد وتعقيداته، يزداد أثر هذين الخللين على جودة التقارير وحياديتها. من هذه الزاوية تبرز فكرة إنشاء شركة تدقيق وطنية مملوكة لجهة رقابية، تعمل وفق أعلى معايير الاستقلال والحوكمة، وتدخل السوق لاعبًا مهنيًا منافسًا. الفكرة لا تنطلق من الرغبة في توسيع دور الدولة في الاقتصاد، وإنما من الحاجة إلى إعادة التوازن في سوق حساس يمس سلامة القرارات المالية. سوق التدقيق العالمي يهيمن عليه عدد محدود من الشركات الكبرى، التي تتولى مراجعة أغلب الكيانات الكبيرة. هذا التركز يمنحها قوة تفاوضية مرتفعة، ويضع العملاء أمام خيارات محدودة. في الوقت نفسه، تقدم هذه الشركات خدمات استشارية لعملائها أنفسهم، ما يخلق وضعًا تتداخل فيه المصالح، ويؤثر على درجة الاستقلال المهني حتى مع وجود ضوابط تنظيمية. هذه المفارقة لا تنعكس على جودة التقارير فحسب، وإنما على ثقة المستخدمين في نتائجها. إنشاء شركة تدقيق وطنية يفتح مسارًا لتخفيف هذا التركز. دخول لاعب جديد يمتلك قدرات مالية وتنظيمية كافية يرفع مستوى المنافسة، ويمنح السوق بدائل حقيقية. هذا الأثر يتجاوز التسعير إلى تحسين جودة الخدمة، حيث تدفع المنافسة الشركات إلى تطوير أدواتها ومنهجياتها. من جهة أخرى، يمكن لهذا الكيان أن يعالج مسألة تضارب المصالح عبر تصميم نموذج عمل يفصل بين التدقيق والاستشارات. هذا الفصل يعيد الاعتبار لمبدأ الاستقلال، ويعزز مصداقية التقارير أمام المستثمرين والجهات الرقابية. كما يتيح بناء خبرات وطنية متقدمة في مجالات التدقيق المعقدة، وهو هدف إستراتيجي يرتبط بتوطين المعرفة. الفكرة تكتسب وجاهة إضافية عند النظر إلى القطاعات الحساسة، حيث تتطلب بعض العمليات مستوى عاليا من الفهم للسياق المحلي والتنظيمي. وجود شركة وطنية يتيح التعامل مع هذه الحالات بكفاءة أعلى، ويعزز من الأمن الاقتصادي عبر تقليل الاعتماد على أطراف خارجية في مهام دقيقة. في المقابل، لا تخلو المبادرة من تحديات جوهرية، أولها طبيعة العلاقة بين الجهة الرقابية والكيان التجاري، فالجمع بين الدورين في منظومة واحدة يثير تساؤلات حول الحياد وتكافؤ الفرص في السوق، حبث إن أي غموض في هذا الجانب قد ينعكس على ثقة القطاع الخاص، ويؤثر على قبول الشركة الجديدة. التحدي الثاني يرتبط بالمنافسة. شركة مملوكة لجهة عامة قد تتمتع بميزات غير متاحة للقطاع الخاص، ما يخلق مخاوف من مزاحمة غير متكافئة. هذا يستدعي تصميم إطار تنظيمي يضمن المنافسة العادلة، ويحفظ حيوية السوق. هناك أيضًا تحدي الحوكمة الداخلية. نجاح الشركة يتطلب إدارة احترافية مستقلة، قادرة على اتخاذ قراراتها بعيدًا عن التأثيرات البيروقراطية. أي ضعف في هذا الجانب قد يحول الكيان إلى جهاز إداري ثقيل، ويقوض أهدافه. التجارب الدولية تقدم إشارات مفيدة، حتى وإن لم تتطابق مع هذا النموذج. هيئات التدقيق العليا في دول متقدمة تقوم بدور رقابي على المال العام، وتتمتع باستقلال تنظيمي، مع فصل واضح عن النشاط التجاري. في جانب آخر، هناك نماذج لكيانات ترتبط بمنظمات دولية عبر اتفاقيات، وتعمل باستقلال قانوني مع تمثيل مؤسسي محدود. هذه النماذج تؤكد أهمية الفصل بين الارتباط المؤسسي والاستقلال التشغيلي. انطلاق المبادرة يمكن أن يتم عبر مراحل مدروسة. البداية بوحدة متخصصة تركز على قطاعات محددة، مع تقييم الأداء وبناء القدرات. يلي ذلك تأسيس كيان قانوني مستقل، يملك مجلس إدارة مستقل، ويخضع لرقابة خارجية. التوسع لاحقًا يكون تدريجيًا، مع وضع قيود واضحة على الجمع بين الخدمات، وضمان الشفافية في التعاقدات. النجاح في هذا المسار يرتبط بوضوح الحدود بين الرقابة والتشغيل. كلما كان هذا الفصل صريحًا ومؤسسًا في الأنظمة، زادت فرص بناء كيان يحظى بثقة السوق، ويحقق أهدافه في رفع جودة التدقيق وتقليل التركز. في النهاية، إنشاء شركة تدقيق وطنية يمثل محاولة لإعادة ضبط سوق بالغ الحساسية. الفكرة تحمل إمكانات كبيرة لتعزيز الشفافية وبناء القدرات، مع مخاطر تستدعي تصميمًا مؤسسيًا دقيقًا. التوازن بين الدور الرقابي والنشاط التجاري هو العامل الحاسم، وهو ما سيحدد ما إذا كانت المبادرة خطوة نوعية في مسار الحوكمة، أو تجربة تواجه صعوبات في التطبيق.