متابعة / المدى
دخل الصراع بين الولايات المتحدة وإيران أسبوعه السابع وسط مسارَين متوازيين؛ الأول عسكري تمثّل في بدء واشنطن تنفيذ حصار بحري شامل على الموانئ الإيرانية وتهيئة الظروف لإزالة الألغام من مضيق هرمز، والثاني دبلوماسي تقوده إسلام آباد التي تسعى لاستئناف محادثات مباشرة بين الطرفين خلال الأيام المقبلة، في حين أعلنت طهران أن خسائرها من الحرب بلغت نحو 270 مليار دولار.
إسلام آباد تتحرك لعقد جولة ثانية
أفادت مصادر متطابقة، الثلاثاء، بإمكان عودة فريقَي التفاوض الأميركي والإيراني إلى العاصمة الباكستانية خلال الأيام المقبلة لاستئناف محادثات تعثّرت جولتها الأولى الأحد الماضي. ونقلت وكالة “رويترز” عن مصدر مشارك أن الموعد لم يُحدَّد بعد، “لكن الجانبين قد يعودان في وقت قريب، ربما في نهاية هذا الأسبوع”، فيما أوضح مصدر إيراني كبير أن “المفاوضين أبقوا الفترة من الجمعة إلى الأحد مفتوحة”.
وأفاد مسؤولان أميركيان، طلبا عدم الكشف عن هويتيهما لحساسية المفاوضات، بأن مكان الجولة المقبلة وتوقيتها وتركيبة وفودها لم تُحسم بعد، “لكن من الممكن عقدها الخميس”، وفق ما نقلته وكالة “أسوشييتد برس”. وقال مسؤول حكومي باكستاني كبير: “تواصلنا مع إيران وتلقينا رداً إيجابياً بأنهم سيكونون منفتحين على جولة ثانية من المحادثات”.
وكان اجتماع إسلام آباد، الذي عُقد بعد أربعة أيام من إعلان وقف إطلاق النار الثلاثاء الماضي، أوّلَ لقاء مباشر بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين منذ أكثر من عشرة أعوام، والأعلى مستوى منذ الثورة الإسلامية عام 1979. وترأّس الوفدَين نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، وتناولت المحادثات ملفات مضيق هرمز والبرنامج النووي والعقوبات الدولية.
وقال فانس للصحافيين بعد الجولة الأولى: “نغادر هذا المكان بمقترح بسيط للغاية، وهو طريقة للتفاهم تمثل عرضنا النهائي والأفضل”. وأكد الاثنين أن “الكرة أصبحت في ملعب إيران”، مشيراً إلى أن هناك “أمرين على وجه الخصوص أكد الرئيس الأميركي أن لا مجال للمرونة فيهما”، وأضاف: “من السهل على الإيرانيين القول إنهم لن يمتلكوا سلاحاً نووياً، لكن من الصعب علينا وضع الآلية اللازمة لضمان عدم حدوث ذلك”.
ونقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن واشنطن سعت إلى تضمين الاتفاق بنداً يقضي بـ”تعليق برنامج تخصيب اليورانيوم الإيراني لمدة 20 عاماً”، مقابل اقتراح إيراني بتعليق الأنشطة النووية خمس سنوات رفضه الرئيس دونالد ترامب، وفق ما نقلت “نيويورك تايمز” عن مسؤول أميركي. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن فانس أبلغه بأن إخراج كل اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة 60 في المائة من البلاد يُعدّ “مسألة محورية” بالنسبة إلى ترامب. كما عرضت روسيا الاثنين تسلُّم اليورانيوم الإيراني المخصّب، وقال المتحدث باسم الكرملين ديميتري بيسكوف: “ما زال العرض قائماً، لكن لم يُتخذ أي إجراء بشأنه”.
حصار وكاسحات ألغام
بالتوازي مع التحرك الدبلوماسي، دخل الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية حيز التنفيذ الاثنين. ونقلت “وول ستريت جورنال” عن مسؤول أميركي رفيع أن الولايات المتحدة نشرت أكثر من 15 سفينة حربية لدعم العملية، تضم حاملة طائرات ومدمرات مزوّدة بصواريخ موجهة وسفينة هجومية برمائية وقطعاً بحرية أخرى مجهّزة بمروحيات لعمليات الاعتراض والتفتيش.
وأفاد موقع “وور تايم زون” الأميركي بأن كاسحتَي ألغام من فئة “أفينجر”، هما “يو إس إس تشيف” و”يو إس إس بيونير”، غادرتا قاعدتهما في ساسيبو باليابان متجهتين إلى الشرق الأوسط. ورصدت بيانات موقع “مارين ترافيك” السفينتَين وهما تعبران مضيق ملقا باتجاه الشمال الغربي، بعد مغادرتهما سنغافورة في العاشر من أبريل الجاري ووصولهما إلى ميناء “أو ماكام” في تايلاند الثلاثاء. وذكر موقع “أخبار المعهد البحري الأميركي” أن السفينتَين أُرسلتا لدعم العمليات في نطاق القيادة المركزية الأميركية، فيما أشارت تقارير إلى أن غواصات مسيّرة وسفن دعم إضافية ستنضم إلى العمليات خلال الأيام المقبلة.
وقالت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) إن الحصار “سيُطبَّق بشكل حيادي على سفن جميع الدول الداخلة إلى الموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية أو الخارجة منها”، مع استثناء السفن التي تستخدم موانئ غير إيرانية، والسماح بمرور سفن المساعدات الإنسانية “مع خضوعها للتفتيش”.
وهدّد ترامب بتدمير أي سفينة إيرانية تحاول كسر الحصار، واصفاً سيطرة طهران على مضيق هرمز بـ”الابتزاز”. وكتب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أن البحرية الإيرانية “دُمرت بالكامل”، لكنها لا تزال تمتلك “زوارق هجومية سريعة”، محذراً بأنه “إذا اقتربت أي من هذه السفن من (محاولة كسر) حصارنا، فسيُقضى عليها فوراً”.
الرد الإيراني: تهديد بالتوسيع
هدّدت إيران باستهداف موانئ في الخليج إذا تعرّضت لهجوم، ووصفت الإجراء الأميركي بأنه “غير شرعي” و”قرصنة”. وكتب المتحدث باسم “لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية” في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي على منصة “إكس” أن وقف إطلاق النار “يجب ألا يتحول إلى تمهيد لتهديد جديد”، مطالباً بالاعتراف بـ”حقوق إيران” بما فيها سيطرتها على المضيق، أو العودة إلى الحرب. وأضاف أن الهدنة “ليست فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة التسلح”.
من جهته، قال نائب رئيس البرلمان الإيراني حميد رضا حاجي بابايي إن طهران بدأت “فرض سيادتها” في مضيق هرمز، وإن أي سفينة تعبر المضيق “يجب أن تلتزم القواعد والرسوم المقررة”، مؤكداً أن “المطالب الـ10 الأساسية” للإيرانيين لا يحق لأي مسؤول التراجع عنها.
ووجّه وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني تعليمات إلى 16 محافظاً في المحافظات الحدودية للعمل على “إبطال أثر التهديد البحري”، عادّاً أن إيران “غير قابلة للحصار” في ظل امتلاكها أكثر من 8 آلاف كيلومتر من الحدود البرية والبحرية، ودعا إلى استخدام الصلاحيات الاستثنائية للمحافظين لتسهيل استيراد السلع الأساسية وتعزيز الصادرات بالتنسيق مع وزارات الاقتصاد والزراعة والطرق والصناعة.
وفي رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، قال السفير الإيراني لدى المنظمة أمير سعيد إيرواني إن فرض الحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية في الخليج العربي وبحر عمان “يشكل انتهاكاً خطيراً لسيادة إيران وسلامة أراضيها” و”انتهاكاً خطيراً للمبادئ الأساسية لقوانين البحار”، ويزيد “بشكل واضح من خطر التصعيد في منطقة شديدة التقلب”.
مقامرة أميركية محسوبة؟
يرى الأميرال المتقاعد في البحرية الأميركية مارك مونتغومري أن خيار الحصار “قابل للتنفيذ” و”أقل مخاطرة من البديل، الذي كان سيعني دفع الإيرانيين بالقوة إلى التراجع وتهيئة الظروف لتسيير قوافل بحرية”. وأوضح لـ”بي بي سي” أن خيارات أخرى طرحها ترامب، كالاستيلاء على جزيرة خرج أو مرافقة قوافل عبر مضيق هرمز، كانت ستعرّض القوات الأميركية لصواريخ وطائرات مسيّرة وزوارق إيرانية سريعة، فضلاً عن خطر الألغام البحرية. في المقابل، يتيح الحصار للسفن الحربية الأميركية البقاء على مسافة آمنة في مياه خليج عُمان، لمراقبة السفن الخارجة من الموانئ الإيرانية واعتراضها. وأضاف مونتغومري: “المخاطر هنا أقل مما هي عليه في المنطقة الضيقة جداً من المضيق”.
غير أن ديفيد ساترفيلد، المبعوث الأميركي السابق للشؤون الإنسانية في الشرق الأوسط، قال لـ”بي بي سي” إن إيران قد ترى أنها قادرة على تحمّل ضغط إضافي: “إنهم يعتقدون أنهم قادرون على تحمّل ذلك، وأن الولايات المتحدة ستتضرر من ارتفاع أسعار النفط، وأن دول الخليج ستضغط في نهاية المطاف على واشنطن لإعادة فتح المضيق”. وأضاف أن واشنطن لم تأخذ في الحسبان تصميم إيران، وأن “الإيرانيين يرون أنهم قادرون على تحمّل قدر أكبر من الألم ولفترة أطول من خصومهم”.
ورصد خبراء الشحن تراجع حركة السفن عبر المضيق. وقالت محللة الاستخبارات البحرية ميشيل فيزه بوكمان: “أنا أراقب فعلياً السفن التي تعبر الآن… ولو كنت بحاراً، لكنت قلقاً جداً”. أما رئيس تحرير “لويدز ليست” ريتشارد ميد فقال إن الساعات الـ48 التي سبقت تطبيق الحصار شهدت أكثر فترات الملاحة ازدحاماً عبر المضيق منذ بدء الحرب، مع نحو 30 رحلة يمكن تتبّعها، مضيفاً: “بدا الأمر وكأن هناك اندفاعاً للسفن لمحاولة الخروج”.
الموقف الدولي وفاتورة الحرب
سجّلت الأسواق المالية ارتفاعاً الثلاثاء فيما انخفض سعر النفط، في ظل آمال التوصل إلى اتفاق. وقال ترامب للصحافيين في البيت الأبيض الاثنين: “أستطيع أن أقول لكم إن الطرف الآخر اتصل بنا. إنهم يريدون التوصل إلى اتفاق بأي ثمن”. وقالت وزارة الخارجية الصينية إن الوضع بلغ “مفترقَ طرقٍ حرجاً”، مؤكدة أن بكين ستبذل جهوداً للمساعدة في استعادة السلام بالشرق الأوسط. وتُعدّ الصين أكبر مستورد للنفط الإيراني في العالم، ورغم امتلاكها احتياطيات استراتيجية كبيرة، فإنها لا تستطيع تحمّل انقطاع طويل الأمد في الإمدادات. وفي طهران، شدّد الرئيس مسعود بزشكيان خلال اتصال مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون على أن بلاده “لن تواصل المحادثات إلا في إطار القانون الدولي”. ودعا ماكرون الطرفين إلى استئناف المفاوضات وإعادة فتح المضيق “من دون قيود أو رسوم، في أقرب وقت ممكن”، وسيترأس الجمعة في باريس، إلى جانب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، اجتماعاً لتحالف دولي يهدف إلى تأمين المضيق بعد انتهاء النزاع. وقال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف الاثنين إن “وقف إطلاق النار لا يزال صامداً، وفي هذه اللحظة، تُبذل جهود مكثفة لحل القضايا العالقة”.
وعلى صعيد فاتورة الصراع، قالت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية فاطمة مهاجراني إن الخسائر الناجمة عن الهجمات الأميركية والإسرائيلية “تُقدّر حالياً بنحو 270 مليار دولار”، تشمل الأضرار المباشرة وغير المباشرة. وأضافت لوكالة “ريا نوفوستي” الروسية أن ملف “التعويضات” أحد المحاور التي يعمل عليها الفريق التفاوضي الإيراني، وكان مطروحاً في إسلام آباد، مشيرة إلى أن دفع تعويضات الحرب يُعدّ من بين الشروط الـ10 التي طرحتها طهران.
وبحسب ترامب، فإن 34 سفينة عبرت مضيق هرمز الأحد، وهو “أعلى رقم منذ بدء هذا الإغلاق المجنون” الذي فرضته إيران. وأسفرت المعارك منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي عن مقتل ما لا يقل عن 3 آلاف شخص في إيران، وأكثر من ألفَين في لبنان، و23 في إسرائيل، وأكثر من 10 في دول الخليج العربية، إضافة إلى 13 عسكرياً أميركياً.