ترجمة/ المدى
قالت الباحثة في منظمة العفو الدولية، جانين مورا، إن الأطفال في شمال دارفور جرى تجنيدهم من قبل قوات الدعم السريع، وتعرضوا للعنف الجنسي، كما تُركوا لمواجهة آثار الجوع والحرمان من التعليم لسنوات، مشيرة الى ان تأثير الحرب في السودان لا يقتصر على وقوع الأطفال ضحايا للعنف، بل انهم يتم استهدافهم عمدا.
وأوضحت أن التحقيقات كشفت بأن عمليات التجنيد تمت بطرق مختلفة، إذ عملت مجموعات متحالفة مع قوات الدعم السريع في بعض الحالات مع زعماء المجتمعات المحلية وآخرين لحشد الشباب، بمن فيهم الفتيان الأكبر سناً، وفي بعض الحالات أطفال أصغر سناً، للقتال إلى جانب القوات.
وأضافت أنه في حالات أخرى، اختُطف شبان وفتيان أكبر سناً أثناء الهجمات على القرى، وأُجبروا أو أُكرهوا على المشاركة في القتال.
وقالت مورنا إن أحد قادة قوات الدعم السريع، الذي كان يقود وحدة تضم نحو 90 مقاتلاً، أبلغ الباحثين أن ما يقارب 40% من أفراد وحدته كانوا من الشباب.
وأشارت إلى أن الفتيات تعرضن لنمط مختلف من الانتهاكات، حيث وثق التحقيق حالات اغتصاب وأشكالاً أخرى من العنف الجنسي. وعندما كانت الشابات يُجمعن بالقوة، لم يكن هناك أي اعتبار لما إذا كن دون سن الثامنة عشرة.
وأصغر حالة وثقتها مورنا كانت لطفلة تبلغ من العمر 13 عاماً، اختُطفت وتعرضت لاغتصاب جماعي متكرر على مدى عدة أيام.
وقالت: “إن الأطفال لا يقتصر تعرضهم على القتل والقصف والنزوح، ويعانون الانتهاكات نفسها التي يتعرض لها البالغون، بل إنهم يُستهدفون عمداً أيضاً بمجموعة واسعة من الانتهاكات الأخرى.”
التجويع وتأثيره على الأطفال الصغار
شمل التحقيق، الذي تضمن مقابلات مع 39 طفلاً، دراسة آثار الحصار المفروض على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، حيث واجه الأطفال صعوبة بالغة في الحصول على ما يكفي من الغذاء.
وقالت مورنا إن الأطفال والرضع كانوا الأكثر عرضة للخطر، لأنهم لا يستطيعون تحمل فترات طويلة من نقص الغذاء بالطريقة نفسها التي يستطيعها البالغون.
ووثق الباحثون حالات لم يكن فيها الأطفال يحصلون على الطعام بشكل منتظم، كما توصلوا إلى أن أربعة أطفال توفوا بسبب عدم توفر الغذاء، مشيرة إلى أن العدد الحقيقي يُعتقد أنه أعلى بكثير.
وأضافت أن الباحثين استمعوا أيضاً إلى شهادات عن رضع لم يتمكنوا من الرضاعة الطبيعية، وكانوا يعيشون على خليط من الماء والسكر.
كما أجرت منظمة العفو الدولية مشاورات مع خبيرين في سوء التغذية لفهم الآثار المترتبة على بقاء الأطفال لفترات طويلة من دون تغذية كافية.
وأكدت مورنا أن الأطفال الذين ينجون بعد أشهر من الاعتماد على أعلاف الحيوانات كغذاء، قد يعانون رغم ذلك من آثار مدمرة طويلة الأمد على صحتهم ونموهم.
يمكن أن يؤثر سوء التغذية في صحة الأطفال ونموهم وتطورهم، سواء كانوا دون سن الخامسة أو أكبر سناً. وتقول مورنا إن آثاره قد تمتد إلى الجيل التالي أيضاً. فعلى سبيل المثال، إذا عانت الفتيات من التقزم، فقد تتأثر قدرتهن على الحمل والإنجاب في المستقبل.
وتضيف مورنا أن الأثر الذي يلحق بالأطفال قد لا يُرصد إذا اقتصرت التحقيقات على مقابلات مع الناجين البالغين أو على صور الأقمار الصناعية أو تسجيلات الفيديو فقط. فقد ساعدت شهادات الأطفال الباحثين على فهم ما كانت تعنيه الحياة اليومية تحت الحصار، بما في ذلك صعوبة العثور على الغذاء، والمخاطر الخاصة التي واجهها الرضع والأطفال الصغار.
التحقق من شهادات الاطفال
تقول مورنا إن منظمة العفو الدولية تعاملت مع مقابلات الأطفال بحذر شديد، سواء لحمايتهم من أي أذى إضافي أو لاختبار موثوقية المعلومات التي تم جمعها.
وغالباً ما كان الباحثون يبدؤون بإجراء مقابلات مع الأطفال الأكبر سناً. أما بالنسبة للأطفال الأصغر، فقد لا تكون خدمات الإحالة والدعم النفسي والاجتماعي اللازمة متاحة لهم عند استعادة ذكريات التجارب الصادمة.
وتؤكد مورنا أن شهادات الأطفال الأكبر سناً يمكن أن تكون بنفس درجة مصداقية شهادات البالغين. وكما هو الحال مع أي شخص تتم مقابلته، كان الباحثون يسعون إلى التحقق مما يسمعونه من خلال مقارنة الروايات الواردة من أشخاص مختلفين والبحث عن أدلة تؤيدها.
وشملت هذه الأدلة مواد رقمية مرتبطة بالحادثة، ومقابلات مع أفراد الأسرة، ووثائق صحية عند الاقتضاء. ففي قضية تتعلق باغتصاب طفل، على سبيل المثال، قد يتحدث الباحثون أيضاً مع والدة الطفل لمعرفة ما فهمته بشأن ما حدث.
الحرمان من التعليم
ولا تقتصر آثار النزاع على الأذى الجسدي المباشر. إذ تشير مورنا إلى أن أياً من الأطفال الذين قابلتهم منظمة العفو الدولية لم يتمكن من الحصول على التعليم منذ عدة سنوات.
وكان كثير منهم متحمسين لمواصلة دراستهم ولديهم طموحات للمستقبل، إلا أن تعليمهم توقف فعلياً في مدينة الفاشر مع اندلاع النزاع عام 2023. كما أن النزوح حال دون تمكنهم من العودة إلى الدراسة بصورة حقيقية.
وحذّرت مورنا من أن فقدان التعليم قد يخلّف عواقب طويلة الأمد على قدرة السودان على إعادة بناء كوادره المهنية واقتصاده.
كما سلطت الضوء على الآثار النفسية للعنف والنزوح، مؤكدة أنه في حال عدم توفير الدعم اللازم لمعالجة الصدمات النفسية، فإن هناك خطراً يتمثل في استمرار دوامات العنف.
وأضافت أنه عندما سأل الباحثون الفتيان الأكبر سناً عن تصوراتهم لمستقبلهم، رأى بعضهم أن خياراتهم تنحصر بين مواصلة تعليمهم في أماكن نزوحهم أو العودة للانتقام ممن دمّروا عائلاتهم.
تقول جانين مورنا إن الأسر كانت في كثير من الأحيان تواجه عدة أشكال من الصدمات في الوقت نفسه؛ فقد قُتل أقارب لهم، واختفى آباء بعد احتجازهم، وتعرضت شقيقات للاغتصاب. وعندما وصلت هذه الأسر إلى مواقع النزوح أو إلى مناطق أكثر أمانًا نسبيًا، كان الوصول إلى الخدمات محدودًا، ولم تكن احتياجاتها الأساسية تُلبّى دائمًا، مما ترك فرصًا ضئيلة للأطفال والبالغين للتعافي مما مروا به.
عن العفو الدولية