ترجمة المدى
بعد أكثر من ألف يوم على الحرب الإسرائيلية على غزة، أصبح الزمن يقاس بعدد الغارات، وعمليات النزوح، ووقف إطلاق النار الذي لا يكتمل، ومحاولات البقاء على قيد الحياة، في وقت أشارت فيه أرقام وزارة الصحة في غزة إلى أن إسرائيل قتلت ما لا يقل عن 73 ألف فلسطيني منذ بداية الحرب عام 2023، فيما تجاوز عدد الجرحى 173 ألفاً.
فقد دُفنت أحياء غزة تحت الأنقاض، واقتُلعت عائلات من منازلها مرات عديدة، ودُمِّرت المدارس والمستشفيات والمؤسسات العامة، بينما لا يزال المستقبل السياسي للقطاع غامضاً.
ورغم أشهر من المفاوضات التي توسطت فيها قطر ومصر والولايات المتحدة، تعثرت جهود التوصل إلى وقف لإطلاق النار بسبب الخلافات حول انسحاب الجيش الإسرائيلي، وإدارة غزة، ومستقبل الأسرى الفلسطينيين.
ومع تجاوز الحرب يومها الألف، يبدو مستقبل غزة بعد توقف القتال غامضاً وقاتماً.
نازحون وفقراء منهكون
تقدّر وزارة الصحة في غزة أن إسرائيل قتلت ما لا يقل عن 73 ألف فلسطيني منذ بدء الحرب، وأصابت أكثر من 173 ألفاً، فيما لا يزال آلاف آخرون في عداد المفقودين تحت الأنقاض أو في مناطق يتعذر الوصول إليها.
وتفيد الأمم المتحدة بأن النساء والأطفال يشكلون غالبية الضحايا، وأن نحو 90% من سكان غزة نزحوا مرة واحدة على الأقل خلال الحرب، واضطر كثير منهم إلى التنقل مراراً بين شمال القطاع ووسطه وجنوبه.
ووصف المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، في بيان بمناسبة مرور ألف يوم على الحرب، أوضاع القطاع بأنها “واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العصر الحديث”.
وأضاف أن العمليات العسكرية الإسرائيلية ألحقت أضراراً أو دماراً بأكثر من 90% من البنية التحتية والممتلكات في غزة، بعد إسقاط نحو 223 ألف طن من المتفجرات على القطاع.
وأشار البيان إلى أن 38 مستشفى خرجت عن الخدمة نتيجة الهجمات، فيما قُتل نحو 1700 من العاملين في القطاع الصحي. كما مُنع أكثر من 22 ألف فلسطيني يحتاجون إلى علاج تخصصي من السفر إلى الخارج بسبب القيود المفروضة على الحركة.
كما تدهورت الأوضاع الصحية العامة بصورة حادة نتيجة الهجمات الإسرائيلية.
ويقول مسؤولون إن أكثر من 2.1 مليون حالة إصابة بالأمراض المعدية سُجلت بين الفلسطينيين النازحين الذين يعيشون في ملاجئ ومخيمات مكتظة.
ويعيش نحو مليوني شخص في غزة داخل 132 ألف خيمة موزعة في أنحاء القطاع، يفتقر كثير منها إلى الصرف الصحي والمياه النظيفة والحماية من درجات الحرارة القاسية.
واتهم المكتب إسرائيل باستخدام التجويع سلاح حرب من خلال فرض قيود مطولة على دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة.
وحذر من أن نحو 650 ألف طفل معرضون لخطر سوء التغذية والجوع، بينما فقد أكثر من 58 ألف طفل أحد والديهم أو كليهما منذ بداية الحرب.
انهيار التعليم والاقتصاد
وأشار التقرير إلى أن جميع مدارس غزة تعرضت لأضرار، ما أثر في تعليم أكثر من 620 ألف طالب. كما يؤكد المكتب الإعلامي الحكومي أن أكثر من 20 ألف طالب قُتلوا خلال الحرب.
وإلى جانب الكارثة الإنسانية، انهار اقتصاد غزة تقريباً بالكامل.
وتقدر السلطات أن أكثر من 410 آلاف منزل ومبنى تعرضت للتدمير أو الأضرار، كما دُمرت شبكات الكهرباء الممتدة لآلاف الكيلومترات، وتحولت مئات المساجد إلى أنقاض، وأصبحت مساحات زراعية واسعة غير صالحة للاستخدام. وتجاوزت الخسائر الاقتصادية المباشرة 80 مليار دولار.
وحذرت وكالات الأمم المتحدة مراراً من أن إزالة عشرات ملايين الأطنان من الركام التي تغطي غزة قد تستغرق سنوات، حتى في حال توفر ظروف أمنية مستقرة.
لكن الأرقام لا تعكس سوى جزء من حجم التحول الذي يعيشه الفلسطينيون على الأرض.
فاليوم، تنتشر مخيمات الخيام في أنحاء القطاع، لتحل محل الأحياء التي كانت تؤوي العائلات. أما المجتمعات التي كانت تتوقع نزوحاً مؤقتاً، فتواجه الآن عاماً رابعاً بلا مأوى أو عمل أو أمل بإعادة الإعمار.
كما أدت الحرب إلى تشديد عزلة غزة عن العالم الخارجي.
فبعد سيطرة إسرائيل على معبر رفح وتشديد قيود الحركة، أصبح سفر المرضى والطلاب والفلسطينيين الموجودين في الخارج أكثر صعوبة، ما أدى إلى بقاء العديد من الأسر مشتتة لأشهر أو حتى سنوات.
مشهد سياسي غامض لغزة
لم تغيّر الحرب الجغرافيا المادية لغزة فحسب، بل أعادت أيضاً تشكيل الحسابات السياسية المتعلقة بمستقبلها.
فمنذ بدء حملتها البرية، أنشأت إسرائيل ممرات عسكرية، ووسعت المناطق العازلة، وأحكمت سيطرتها على أجزاء واسعة من القطاع، مؤكدة أن هذه الإجراءات تهدف إلى منع تكرار هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وفي المقابل، تواصل الفصائل الفلسطينية المسلحة التأكيد أن أي ترتيبات سياسية لما بعد الحرب لا يمكن أن تشمل نزع سلاحها.
وقالت حركة حماس إن إسرائيل فشلت في تحقيق أهدافها العسكرية المعلنة رغم حجم الدمار الذي ألحقته بغزة.
أما حركة الجهاد الإسلامي فاعتبرت أن استمرار العمليات العسكرية يثبت حدود القوة العسكرية، مجددة دعوتها إلى وقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي الكامل، وإعادة إعمار القطاع.
وبالنسبة إلى كثيرين، لم يعد السؤال هو متى سيتوقف القتال؟ بل أي نوع من غزة سيولد بعد انتهائه؟
وتؤكد الأمم المتحدة أن إعادة الإعمار ستستغرق سنوات وستحتاج إلى مليارات الدولارات، في ظل استمرار العمليات العسكرية والقيود على المواد اللازمة للبناء وعدم الاستقرار السياسي.
ومع ذلك، فإن إعادة بناء المنازل ليست سوى جزء من التحدي.
فمستقبل غزة يعتمد على قضايا لا تزال دون حل، تشمل شكل الحكم، ودور السلطة الفلسطينية، ومستقبل حركة حماس والفصائل الأخرى، والمخاوف الأمنية الإسرائيلية، ومستوى المشاركة العربية والدولية في أي إدارة لمرحلة ما بعد الحرب.
لكن بالنسبة إلى كثير من الفلسطينيين، تبدو هذه النقاشات الدبلوماسية بعيدة عن واقعهم اليومي، حيث يبقى البقاء على قيد الحياة هو الأولوية المطلقة.
عن The New Arab