ترجمة المدى
بعد عام على سيطرة قوات الدعم السريع التي تخوض حرباً ضد الجيش السوداني على مدينة الفاشر الاستراتيجية، يؤكد ناجون وعاملون في المجال الإنساني أن عاصمة ولاية شمال دارفور لا تزال مهجورة إلى حد كبير. ويخشى كثير من السكان العودة، فيما لا يزال آلاف الأشخاص في عداد المفقودين، ويُحتجز عدد كبير منهم في سجون مكتظة وظروف بالغة السوء.
وبعد حصار استمر 500 يوم، سقطت مدينة الفاشر في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2025 بيد قوات الدعم السريع، وشكّل سقوط المدينة أحد أكثر فصول النزاع قتامة. فقد تعهدت قوات الدعم السريع بتطهير المدينة، ودعت صراحة إلى القضاء على المجتمعات غير العربية، ولا سيما قبيلتي الزغاوة شبه الرحل والفور، أكبر المجموعات العرقية في إقليم دارفور.
وقد توصل محققون دوليون إلى أدلة تشير إلى وقوع فظائع واسعة النطاق، شملت عمليات قتل جماعي وعنفاً جنسياً. وقدّرت الأمم المتحدة أن نحو 6,000 شخص قُتلوا، إلا أن باحثين درسوا صور الأقمار الصناعية يرجحون أن يكون العدد الحقيقي للضحايا أكبر بكثير، وربما يبلغ عشرات الآلاف.
ووفقاً للمنظمة الدولية للهجرة، تمكن ما يقرب من 100 ألف شخص من الفرار من المدينة، بينما لا يزال آلاف المدنيين الآخرين في عداد المفقودين، بعدما لقوا حتفهم أثناء محاولتهم الهرب أو وقعوا في قبضة قوات الدعم السريع.
وفي يناير/كانون الثاني، وتحت إشراف السلطات الجديدة في المدينة، تمكنت المنظمات الإنسانية من زيارة الفاشر لأول مرة منذ سيطرة قوات الدعم السريع عليها. ووصف العاملون الوضع هناك بأنه “مدينة أشباح، لم يبقَ فيها سوى عدد قليل جداً من المدنيين”.
الصدمة مستمرة
تُقدّر منظمة سوليداريتي إنترناشيونال، وهي منظمة إنسانية فرنسية عادت إلى العمل في الفاشر، أن ما بين 40 ألفاً و60 ألف شخص قد عادوا إلى المدينة أو يترددون عليها بشكل منتظم، من أصل عدد سكان بلغ ما لا يقل عن 300 ألف نسمة قبل اندلاع الحرب.
وقال رونو دوسي، المنسق الميداني للمنظمة في السودان: “يأتي الناس للحصول على المساعدات، أو لرؤية أحيائهم ومنازلهم. لقد سمعوا أن إحدى المنظمات غير الحكومية موجودة هنا، وأن مكتب المساعدات الإنسانية التابع للحكومة المرتبطة بقوات الدعم السريع ينظم عمليات لتوزيع الغذاء”. لكنه أوضح أن كثيراً من العائدين يُصابون بخيبة أمل بسبب ما يجدونه عند وصولهم.
وأضاف: “عندما يصبح السوق الذي كنت تحصل منه على الطعام مجرد مكان بائس لا يضم سوى عدد قليل من الأكشاك، مع أسعار باهظة، فهذه ليست ظروفاً يمكن أن تعود فيها مع أسرتك، كما أن آخرين تمنعهم ذكريات الحصار من العودة”.
ومضى بقوله: “حتى الآن، وبسبب الصدمة والعنف اللذين رافقا تلك الأيام الخمسمئة، لا يشعر الناس إطلاقاً بأنهم مستعدون للعودة”.
لورا ميلز، باحثة في منظمة العفو الدولية، تقول: “لم يعد سوى جزء ضئيل من السكان، فالناس خائفون للغاية، يخبرنا العاملون في المجال الإنساني أن هناك جيوباً من المنازل ما زالت قائمة، لكن الشوارع الواقعة بين هذه الجيوب مهجورة تماماً. وما تزال المدينة مهجورة إلى حد كبير”.
وأضافت: “لقد تعرض سكان الفاشر لصدمات نفسية عميقة بسبب ما مروا به. لماذا يعودون بينما لا تزال قوات الدعم السريع موجودة ولم تُحاسب قط على أفعالها؟ ولماذا يعودون وهم معرضون للاعتقال والتعذيب في أي لحظة؟”
سجن الرعب
احتجزت قوات الدعم السريع آلاف الأشخاص أثناء سيطرتها على الفاشر، ولم يقتصر الأمر على أفراد القوات المسلحة، بل شمل أيضاً مدنيين، من بينهم عائلات الجنود، والمعلمون، والأطباء، والصحفيون، ونشطاء المجتمع المدني، وغيرهم ممن اتهمتهم بدعم الجيش السوداني. وكان إبراهيم (وهو اسم مستعار)، وهو صحفي يعمل في إذاعة وتلفزيون الفاشر، قد اعتُقل على يد قوات الدعم السريع قبل أسابيع من سقوط المدينة، وفقاً لرواية زوجته التي فضّلت عدم الكشف عن هويتها.
وقالت: “في أحد الصباحات خرج للبحث عن الطعام، لأنه في ذلك الوقت لم يعد هناك ما يؤكل. غادر المنزل صباحاً، لكنه لم يعد في ذلك المساء، ولا في اليوم التالي”.
كانت زوجته تعتقد أنه أُصيب أو قُتل، إلى أن علمت أنه أُلقي القبض عليه من قبل قوات الدعم السريع ونُقل إلى سجن دقريس، وهو سجن سيئ السمعة يقع خارج مدينة نيالا، وقد وُصف بأنه “موقع للرعب”.
وقالت: “كانت الظروف مروعة. كان المعتقلون محشورين داخل زنازين صغيرة. وفي بعض الأحيان كانوا يمضون أسابيع كاملة من دون رؤية ضوء الشمس. وكان يُسمح لهم بالخروج أحياناً فقط لتهوية أغراضهم، وتجفيف ملابسهم، والتخلص من الحشرات والبراغيث. أما المراحيض فكانت داخل الزنازين نفسها. وكانت الأوضاع الصحية هناك مقززة”.
وكان إبراهيم مريضاً، هزيلاً، وقد فقد البصر في إحدى عينيه، قبل أن يُفرج عنه أخيراً بعد تسعة أشهر مقابل دفع فدية قدرها ألفا دولار. وتشير روايات عديدة إلى أن المطالبة بدفع الفدية أصبحت ممارسة شائعة.
ووفقاً لمنظمات حقوق الإنسان، كان يتراوح عدد المحتجزين في سجن دقريس في وقت سابق من هذا العام بين 13 ألفاً و19,500 شخص، وهو عدد يفوق عدة مرات الطاقة الاستيعابية الرسمية للسجن البالغة 4,500 سجين.وقالت زمزم، وهي صحفية تنحدر من منطقة الفاشر وتعيش حالياً في المنفى، إن أقاربها كانوا من بين المعتقلين، وقد اعتُقلوا عقاباً لها بسبب تغطيتها للحرب.
وأضافت بقولها: “اتصلت بي قوات الدعم السريع وطلبت مني التوقف عن الكتابة، بل وعرضوا عليّ المال، لكنني رفضت، فاعتقلوا أفراد عائلتي”. ولا يزال ابن عمها، وهو طبيب في أحد مستشفيات الفاشر اختار البقاء طوال فترة الهجوم، محتجزاً في مكان مجهول، ولم تسمع عنه سوى أنه يُجبر على العمل في مجال البناء. وقالت: “إنهم يستخدمون السجناء كعمال في مواقع البناء، ولغسل الملابس، وتنظيف منازل عائلات مقاتلي قوات الدعم السريع”.
عن محطة إذاعة RFI الفرنسية الدولية