ترجمة المدى
تسعى تركيا إلى الانضمام إلى الترتيبات الأمنية في جنوب لبنان خلال مرحلة ما بعد الحرب، وذلك بعد انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) في وقت لاحق من هذا العام، إلا أن محللين يرون أن التوترات المتصاعدة مع إسرائيل تجعل مشاركة أنقرة أمراً غير مؤكد.
والتقى الرئيس اللبناني جوزيف عون بنظيره التركي رجب طيب أردوغان في العاصمة التركية أنقرة يوم الخميس، حيث ناقش الجانبان العلاقات الثنائية، والحرب بين إسرائيل و«حزب الله»، إلى جانب تطورات إقليمية أخرى.
وقال أردوغان، الذي يقود تركيا منذ عام 2003، إن بلاده تسعى إلى الانضمام إلى مبادرة أمنية في جنوب لبنان عند انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) مع نهاية هذا العام.
ويعكس هذا المقترح مساعي أنقرة الأوسع لتوسيع نفوذها الإقليمي، بالتوازي مع مواجهة ما تعتبره التوسع الإسرائيلي في المنطقة. وخلال مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس عون، قال أردوغان: «بعد انسحاب القوة الدولية الحالية، ترغب تركيا في المشاركة في جميع المبادرات التي سيتم إطلاقها لدعم الأمن في المنطقة وضمان سيادة لبنان».
وقال إن انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) «سيشكّل تطوراً مهماً».
وأضاف الرئيس اللبناني جوزيف عون أنه يرغب في أن تصبح علاقات لبنان مع تركيا «أكثر حضوراً وأكثر طموحاً» في «هذه اللحظة الحاسمة التي نعمل فيها على إعادة بناء منطقتنا وإعادة رسم مستقبلها». كما اقترح عون إنشاء قوة أوروبية لتحل محل قوات اليونيفيل. لكن تصاعد التوتر بين أنقرة وتل أبيب بشأن غزة وسوريا واحتياطيات الغاز البحرية في شرق البحر المتوسط يثير شكوكاً حول أي دور تركي مستقبلي في جنوب لبنان.
وقال المحلل التركي المتخصص في السياسة الخارجية والأمن، سنان أولجين، في حديث لصحيفة ذا نيو آراب، إن إسرائيل من المرجح أن تسعى إلى عرقلة أي دور تركي في الترتيبات الأمنية التي تُقام بعد انتهاء مهمة اليونيفيل.
وأضاف قائلاً: «من المرجح بالفعل أن تستخدم إسرائيل حق النقض، الفيتو، ضد أي دور لأنقرة. ومع ذلك، فإن هذا الموقف سيعقّد موقف إسرائيل، لأنها ستضطر عندئذ إلى استثمار قدر كبير من رأس مالها الدبلوماسي لإقصاء تركيا عن هذا الترتيب الأمني المحتمل».
وقال أولجين إن على إسرائيل أن تُظهر قدراً من المرونة في مجالات أخرى تتعلق بالمكونات المختلفة لهذا الترتيب الأمني.
وأضاف أن الدعم الأميركي لتركيا من شأنه أن يضعف أي رفض إسرائيلي قاطع لمشاركتها، لكنه أشار إلى أنه «ليس من الواضح إلى أي مدى ستسعى الإدارة الأميركية الحالية فعلياً إلى تعزيز دور تركيا».
وأوضح أن أي ترتيبات بديلة لليونيفيل ستتطلب توافقاً واسعاً بين أعضاء مجلس الأمن الدولي والأطراف المعنية، ما يجعل تشكيلها مسألة شديدة الحساسية والخلاف.
ويقول المحلل التركي أولجين إن اهتمام أنقرة بلعب دور في أي ترتيبات أمنية مستقبلية في جنوب لبنان بعد انتهاء مهمة قوات اليونيفيل يهدف إلى توسيع نفوذها الإقليمي، وموازنة النفوذ الإسرائيلي، وترسيخ مكانتها كضامن أمني في جنوب لبنان بعد الحرب، مشيراً إلى أن الأمر يتعلق أيضاً بحماية المصالح الوطنية التركية في شرق البحر المتوسط، حيث يوجد خلاف بشأن ترسيم الحدود والمناطق البحرية. ويمضي بقوله: «إن لبنان الأكثر استقراراً سيسهم في تحقيق الاستقرار طويل الأمد في سوريا، وهو أحد الأهداف الرئيسية للسياسة الخارجية التركية. وبالطبع، فإن العكس صحيح أيضاً، إذ يمكن النظر إلى استقرار سوريا باعتباره شرطاً أساسياً لتحقيق استقرار دائم في لبنان».
انتهاء ولاية اليونيفيل في لبنان
أبدت دول أخرى، مثل فرنسا وإيطاليا، اهتمامها أيضاً بالمساهمة في أي ترتيبات أمنية مستقبلية، إلا أنه لم يتم الاتفاق حتى الآن على أي بعثة تخلف قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل). وقد ناقش دبلوماسيون فكرة إنشاء قوة متعددة الجنسيات أصغر حجماً أو آلية مراقبة تعمل إلى جانب الجيش اللبناني. وقال نائب المتحدث باسم اليونيفيل، تيلاك بوخاريل، إن البعثة لا تعلم ما الذي قد يحل محلها.
وأضاف: «نحن، بصفتنا بعثة، لسنا طرفاً في أي نقاشات بشأن الترتيبات التي قد تعقب اليونيفيل. فقد قدم الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، ورقة تتضمن خيارات إلى مجلس الأمن في الأول من يونيو/حزيران، ولم يتخذ المجلس حتى الآن أي قرار بشأن هذه الورقة أو بشأن أي بعثة أممية قد تخلف اليونيفيل».
وقد وجدت اليونيفيل نفسها في قلب المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، التي اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث تعرضت قوات حفظ السلام التابعة لها لعدد كبير من الهجمات الإسرائيلية. وقُتل ما لا يقل عن سبعة من أفرادها هذا العام نتيجة المقذوفات والانفجارات على جوانب الطرق، وأثناء عمليات إزالة الذخائر غير المنفجرة، أو بسبب القصف المدفعي وهجمات قذائف الهاون.
تزعم إسرائيل أن قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) أخفقت في منع حزب الله المدعوم من إيران من ترسيخ وجوده على طول الحدود مع إسرائيل، أو من بناء ترسانته العسكرية، أو إنشاء الأنفاق وغيرها من البنى التحتية تحت الأرض.
كما لم تتمكن اليونيفيل من وقف تقدم القوات الإسرائيلية إلى عمق أكبر داخل جنوب لبنان منذ بدء الغزو الإسرائيلي عام 2024، ولم تستطع أيضاً منع حزب الله من مواصلة التسلح. وتسيطر القوات الإسرائيلية حالياً على كامل المنطقة الحدودية داخل جنوب لبنان، على امتداد عدة كيلومترات، حيث دُمّرت عشرات البلدات والقرى بالكامل، ولا تزال محظورة على سكانها الذين لم يُسمح لهم بالعودة إليها. ومنذ استئناف القتال بين إسرائيل وحزب الله في 2 مارس/آذار، قُتل أكثر من 4,300 شخص في لبنان جراء الهجمات الإسرائيلية، وفقاً لوزارة الصحة اللبنانية.
ورغم أن وتيرة العنف تراجعت بشكل ملحوظ منذ توقيع إسرائيل ولبنان اتفاقاً إطارياً برعاية الولايات المتحدة في أواخر يونيو/حزيران، فإن الضربات الإسرائيلية المتفرقة وعمليات هدم المنازل في جنوب لبنان لا تزال مستمرة.
عن ذي نيو آراب