ترجمة عدنان علي
تُعد الزيارة المرتقبة التي سيقوم بها شي جين بينغ للقاء ناريندرا مودي في عطلة نهاية هذا الأسبوع الأولى من نوعها منذ اندلاع اشتباكات حدودية دامية بين الصين والهند عام 2020، كما أنها تمثل تتويجاً لسنوات من الدبلوماسية الحذرة الرامية إلى إذابة الجليد في العلاقات بين أكثر دولتين اكتظاظاً بالسكان في العالم. لقد ظلت الدولتان الجارتان على خلاف لعقود، حتى مع تزايد أهميتهما للاقتصاد العالمي، مما رفع من حجم الرهانات والمصالح بالنسبة لكلتيهما. وقد وصلت العلاقات إلى أدنى مستوياتها عقب الاشتباكات التي وقعت في منطقة الهيمالايا، والتي أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 20 جندياً هندياً وعدد غير محدد من القوات الصينية، فضلاً عن إصابة العشرات؛ حيث تعثر الحوار السياسي وتراجعت مستويات التواصل وانخفضت معدلات التجارة والاستثمار. ومنذ ذلك الحين، سعى كل من شي ومودي إلى تحقيق تقارب حذر عبر منتديات إقليمية – بدءاً من روسيا وقيرغيزستان ووصولاً إلى الصين في العام الماضي. غير أن رحلة شي لحضور قمة “بريكس” (BRICS) المرتقبة في نيودلهي ستكون زيارته الأولى للهند منذ سبع سنوات، وستشكل فرصة لاستعراض الجهود الرامية إلى تنحية الخلافات جانباً وإبراز دور عالمي فاعل، وذلك في وقت تغرق فيه الولايات المتحدة في صراع مع إيران. وفي هذا السياق، قال برافين دونثي، وهو محلل أول في “مجموعة الأزمات الدولية” (Crisis Group): “إن الخلافات الهيكلية وفجوة الثقة الاستراتيجية في العلاقات الثنائية كبيرة، ولذا فإن المنتديات متعددة الأطراف – مثل مجموعة بريكس – توفر منصة لإدارة هذه التحديات”.
شهدت العلاقات بين الجانبين تحسناً تدريجياً بقيادة مسؤولين بارزين، بمن فيهم وزير الخارجية الصيني “وانغ يي” ومستشارو رئيس الوزراء الهندي “مودي” – مثل كبير مسؤولي الأمن “أجيت دوفال” ووزير الخارجية “إس. جايشانكار”. ففي هذا العام، عقد كبار المفاوضين التجاريين أول اجتماع ثنائي بينهما منذ عام 2019. وعقب ذلك بوقت قصير، سمحت نيودلهي لشركتين حكوميتين كبيرتين بشراء مكونات حيوية من الصين، مما أدى إلى رفع القيود التي كانت مفروضة منذ عام 2020. ووفقاً لبيانات الجمارك الصينية، ارتفع حجم التجارة الثنائية بين الصين والهند في العام الماضي بنسبة 12.4% ليصل إلى مستوى قياسي بلغ 155 مليار دولار، وهو ما يعادل أكثر من ضعف الرقم المسجل قبل عشر سنوات (71.6 مليار دولار). وفي الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري، قفزت التجارة الثنائية بنسبة إضافية بلغت 23% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. كما تشهد تدفقات الاستثمار انتعاشاً؛ إذ عملت الشركات الصينية العاملة في قطاعي التكنولوجيا والطاقة -خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية- على استكشاف الفرص المتاحة في الهند بشكل متزايد، ومن بين هذه الشركات شركة “إنفيجن” (Envision) المتخصصة في تقنيات الطاقة النظيفة، وشركة “هورس باورترين” (Horse Powertrain) الموردة للمحركات والمدعومة من مجموعة “جيلي” (Geely)، وشركة “كوس إم إكس” (CosMX) المصنعة للبطاريات. وفي شهر مارس، اتخذت إدارة “مودي” خطوات لتخفيف إجراءات التدقيق في الاستثمارات الصينية بقطاعي الطاقة الشمسية والإلكترونيات؛ إذ يعني التغيير المبدئي في قواعد الاستثمار الأجنبي أن الشركات الصينية ستحصل على موافقة تلقائية لامتلاك حصص غير مسيطرة تصل إلى 10% في الكيانات الهندية. وفي عام 2024، اتفق البلدان على استئناف الدوريات الأمنية على حدودهما المشتركة التي تمتد لمسافة 3500 كيلومتر، وهي الدوريات التي كانت قد توقفت عقب اشتباكات عام 2020. كما استأنف الجانبان الرحلات الجوية المباشرة في العام الماضي للمرة الأولى منذ عام 2020، وأعادا هذا العام فتح التجارة الحدودية عبر ثلاثة معابر في جبال الهيمالايا، ونظما بشكل مشترك رحلات حج للهندوس والبوذيين إلى مواقع مقدسة في التبت. وقد وصف “دونثي” هذا المسار بأنه “إعادة انخراط حذرة”، تعيد الطرفين إلى حالة من “التنافس الإقليمي الذي يتخذ شكل منافسة وتعاون” وهي حالة قائمة منذ عقود. وقال “أميتاب كانت”، المبعوث الهندي السابق لمجموعة العشرين: “لقد بدأ الجليد يذوب في العلاقات، ولكن بمجرد أن تبدأ في عدم الثقة بدولة ما، فإن إصلاح الأمور يستغرق وقتاً طويلاً”. وأضاف: “إن عملية الإصلاح هذه تجري الآن لأن رئيس الوزراء مودي قد وظّف قدراً كبيراً من رصيده السياسي في ملف العلاقة مع الصين”. قال برايان وونغ، الباحث في مركز الصين المعاصرة والعالم بجامعة هونغ كونغ، إن هناك بالتأكيد “مؤشرات واضحة وإيجابية”.