متابعة / المدى
دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة من التصعيد العسكري، بعد سلسلة هجمات أميركية استهدفت مواقع عسكرية ونفطية ونووية في جنوب إيران، بالتزامن مع تصاعد الصراع حول السيطرة على مضيق هرمز، بينما ردت طهران بخطوات تشريعية وعسكرية تعكس تمسكها بدورها في إدارة الممر البحري الأهم لتجارة الطاقة العالمية.
ويأتي هذا التطور في ظل تحذيرات متزايدة من انزلاق المنطقة إلى حرب واسعة قد تمتد آثارها إلى أسواق النفط والتجارة الدولية وأمن الملاحة في الخليج.
ضربات أميركية على جنوب إيران
شهدت مناطق متفرقة من إيران، الثلاثاء، انفجارات وقصفاً استهدف عدداً من المحافظات الجنوبية، حيث أعلن التلفزيون الإيراني الرسمي سماع خمسة انفجارات غرب مدينة بندر عباس القريبة من مضيق هرمز، من دون تقديم تفاصيل إضافية عن طبيعة الأهداف.
كما أعلنت السلطات الإيرانية تعرض أربعة مواقع في مدينة بوشهر الساحلية للقصف، وفق نائب المحافظ إحسان جهانيان، الذي قال إن «العدو» استهدف المدينة عند الظهر. وتضم بوشهر محطة إيران الوحيدة لإنتاج الطاقة النووية، ما منح الهجوم بعداً استراتيجياً إضافياً.
وامتدت الضربات إلى محافظة خوزستان الغنية بالنفط، حيث استهدفت القوات الأميركية مواقع في مدينتي آبادان وماهشهر، اللتين تضمان منشآت نفطية وبتروكيماوية مهمة، في إطار عمليات قالت واشنطن إنها ركزت على البنية العسكرية الإيرانية المطلة على الخليج.
وأعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أن الضربات استهدفت أنظمة الدفاع الساحلي، ومنشآت للطائرات المسيّرة، ومواقع لإطلاق الصواريخ، إضافة إلى وسائل بحرية تستخدمها إيران في الخليج ومضيق هرمز.
وتعد هذه الليلة الثالثة على التوالي التي تنفذ فيها الولايات المتحدة عمليات عسكرية داخل الأراضي الإيرانية، بعد تهديدات أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتوجيه ضربات «بقوة» إلى إيران.
معركة هرمز تتصدر المشهد
يتجاوز التصعيد الحالي مجرد تبادل الضربات العسكرية، إذ أصبح مضيق هرمز محور المواجهة الرئيسية بين الطرفين.
وكان ترامب قد أعلن أن الولايات المتحدة ستفرض سيطرة على المضيق، مع فرض رسوم بنسبة 20 بالمئة على السفن العابرة، في خطوة اعتبرتها طهران تجاوزاً لسيادتها ومصالحها الاستراتيجية.
ورداً على ذلك، أعلن رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إبراهيم عزيزي إحالة مشروع قانون إلى البرلمان ينظم عبور السفن في مضيق هرمز، ويتضمن فرض رسوم على السفن التي تستخدم الممر البحري.
وأكد عزيزي أن المشروع يمثل «الخطوة الأولى»، مشيراً إلى أن إجراءات أخرى ستتبعها، فيما شدد متحدث باسم الجيش الإيراني على أن «مضيق هرمز لن يفتح بالاعتداءات والحرب الأميركية». ويمر عبر مضيق هرمز نحو خمس تجارة النفط العالمية، ما يجعل أي اضطراب فيه ذا تأثير مباشر على الاقتصاد الدولي.
النفط يتفاعل مع التصعيد
انعكس التصعيد العسكري سريعاً على أسواق الطاقة، إذ ارتفع سعر خام برنت إلى نحو 85 دولاراً للبرميل، وهو أعلى مستوى يسجله منذ أكثر من شهر، بعد قفزة تجاوزت 9 بالمئة خلال يوم واحد. ويرى مراقبون أن استمرار المواجهة حول المضيق قد يهدد إمدادات الطاقة العالمية، خصوصاً إذا اتسعت العمليات العسكرية أو تعطلت حركة الملاحة لفترة طويلة.
“جبل الفأس”.. المنشأة التي تهدد بتغيير قواعد اللعبة
بالتوازي مع العمليات العسكرية، عاد الحديث عن منشأة “جبل الفأس” النووية التي أصبحت محوراً جديداً في الخطاب الأميركي.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد هدد بتدمير الموقع، مؤكداً أن الولايات المتحدة «تراقبه من كثب»، وأنه قد يكون هدفاً لضربة في المستقبل القريب.
ويقع “جبل الفأس” على بعد نحو 90 ميلاً جنوب منشأة فوردو النووية، وبالقرب من منشأة نطنز، ويعتقد خبراء أنه يمثل أحد أكثر المواقع النووية الإيرانية تحصيناً.
وتشير تقارير متخصصة إلى أن إيران عملت خلال السنوات الأخيرة على تطوير المنشأة ونقل أجزاء حساسة من برنامجها النووي إليها، مستفيدة من طبيعة الجبل الذي يضم أنفاقاً تمتد إلى عمق قد يتجاوز 100 متر تحت الأرض، وهو ما يجعل استهدافه أكثر صعوبة حتى باستخدام القنابل الأميركية الخارقة للتحصينات.
كما يحظى الموقع باهتمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بعد أن امتنعت طهران سابقاً عن تقديم تفاصيل بشأن طبيعة الأنشطة الجارية داخله، الأمر الذي عزز الشكوك الغربية حول دوره في البرنامج النووي الإيراني.
الملاحة البحرية في دائرة الخطر
وفي تطور آخر يزيد من تعقيد الأزمة، أعلنت الإمارات تعرض ناقلتي النفط “ممباسا” و”الباهية” لهجوم بصواريخ إيرانية أثناء وجودهما داخل المياه الإقليمية العمانية في الممر الجنوبي لمضيق هرمز.
وقالت وزارة الدفاع الإماراتية إن الهجوم أسفر عن مقتل بحار هندي وإصابة ثمانية آخرين، إضافة إلى اندلاع حرائق وأضرار مادية في الناقلتين. واعتبرت أبوظبي أن الهجوم يمثل انتهاكاً للقانون الدولي وتهديداً لأمن الملاحة، مؤكدة احتفاظها بحق الرد.
ويرى خبراء قانونيون أن استهداف سفن مدنية داخل المياه العمانية يشكل خرقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تكفل حرية المرور العابر في المضائق الدولية وتحظر تعطيله أو استخدام القوة ضد السفن التجارية.
وتقول القيادة المركزية الأميركية إن عملياتها العسكرية الأخيرة جاءت رداً على الهجمات التي استهدفت السفن التجارية في مضيق هرمز.
وبحسب البيانات الأميركية، تجاوز عدد الأهداف الإيرانية التي تعرضت للقصف خلال ثلاث موجات متتالية 300 هدف، شملت أنظمة الدفاع الجوي، والرادارات الساحلية، ومنصات الصواريخ، ومنشآت بحرية، ومخازن ذخيرة، وشبكات اتصالات، إضافة إلى عشرات الزوارق التابعة للحرس الثوري.
لكن استمرار الهجمات الإيرانية على السفن التجارية، رغم هذه الضربات، يشير إلى أن قدرات طهران البحرية لم تُشل بالكامل، وأن المواجهة مرشحة لمزيد من التصعيد.
مخاطر تتجاوز حدود الخليج
يمثل التصعيد الحالي أخطر مواجهة مباشرة بين واشنطن وطهران منذ أشهر، إذ لم يعد النزاع يقتصر على استهداف قواعد أو منشآت داخل إيران، بل امتد إلى الملاحة الدولية، وأسواق الطاقة، والتوازنات الأمنية في الخليج.
وفي حال استمرار العمليات العسكرية، فإن احتمالات توسع الحرب ستبقى قائمة، خصوصاً مع تمسك الولايات المتحدة باستهداف القدرات العسكرية الإيرانية، وإصرار طهران على منع أي محاولة لفرض واقع جديد في مضيق هرمز، الذي يبقى أحد أهم الممرات البحرية وأكثرها حساسية في العالم.