القانون الدولي الإنساني لم ينشأ لمنع الحروب، وإنما لتنظيم سلوك أطرافها والحد من آثارها على الإنسان والممتلكات المدنية. هذه الفلسفة تبدو لأول وهلة متناقضة؛ إذ كيف يمكن للقانون أن يعمل وسط إطلاق النار؟ غير أن الواقع أثبت أن وجود قواعد واضحة، حتى وإن تعرضت للانتهاك أحيانًا، أفضل بكثير من غيابها بالكامل.
يقوم هذا القانون على مجموعة من المبادئ الجوهرية التي تشكل أساس العمليات العسكرية المشروعة. أولها مبدأ التمييز، الذي يفرض الفصل بين المقاتلين والمدنيين، ويحظر توجيه الهجمات إلى السكان المدنيين أو الأعيان المدنية. ويأتي بعده مبدأ التناسب، الذي يمنع تنفيذ هجوم يتوقع أن يسبب خسائر مدنية مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المرجوة. ثم يظهر مبدأ الضرورة العسكرية، الذي يقصر استخدام القوة على ما يحقق هدفًا عسكريًا مشروعًا دون تجاوز غير مبرر. ويكمل هذه المنظومة مبدأ الإنسانية، الذي يحظر الوسائل والأساليب التي تؤدي إلى معاناة لا تقتضيها الضرورة العسكرية.
هذه المبادئ ليست شعارات أخلاقية، وإنما التزامات قانونية كرستها اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية، إلى جانب قواعد القانون الدولي العرفي. ولهذا السبب أصبحت معظم أحكامها ملزمة للدول حتى خارج نطاق المعاهدات في كثير من الحالات.
التطور التقني يفرض اليوم تحديات غير مسبوقة. فالطائرات المسيّرة، والأنظمة ذاتية التشغيل، والذكاء الاصطناعي العسكري، والهجمات السيبرانية، جميعها تثير أسئلة قانونية لم تكن مطروحة قبل عقود قليلة. كيف يمكن التحقق من احترام مبدأ التمييز إذا اتخذت الخوارزميات جزءًا من القرار العسكري؟ ومن يتحمل المسؤولية القانونية إذا أخطأ نظام مستقل في تحديد الهدف؟ هذه الأسئلة لم تعد نظرية، وإنما أصبحت جزءًا من النقاش الدولي الدائر داخل الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر والعديد من المؤسسات القانونية.
ومع تزايد النزاعات المسلحة، لم يعد نجاح القانون يقاس بعدد الانتهاكات التي تقع، وإنما بقدرته على ترسيخ معيار عالمي للمساءلة. فكل تحقيق دولي، وكل محكمة، وكل تقرير يوثق الانتهاكات، يعكس وجود قاعدة قانونية يمكن الاحتكام إليها، ويؤكد أن أفعال الحرب ليست بمنأى عن المحاسبة.
ويبقى الدرس الأهم أن الحضارة لا تختبر في أوقات السلم، وإنما في قدرتها على المحافظة على قيمها عندما تشتد الأزمات. فالقانون الذي يصمد في زمن الحرب هو الذي يمنح السلام، عندما يعود، فرصة حقيقية للاستمرار.