متابعة / المدى
واصلت قوات الاحتلال، مساء الاثنين، إطلاق النار والتوغل في ريف محافظة درعا جنوبي سوريا، بعد وقفة احتجاجية قرب ثكنة الجزيرة غربي قرية معرية رفضا لوجودها في المنطقة، في امتداد لتوتر شهدته قرى عدة في حوض اليرموك خلال اليومين الماضيين، وتخلله قصف ونزوح مؤقت لمئات العائلات، بحسب ما أفادت به وكالة الأنباء السورية ووسائل إعلام محلية وشهود. وقالت الوكالة العربية السورية للأنباء إن قوات الاحتلال المتمركزة في ثكنة الجزيرة غربي قرية معرية أطلقت النار باتجاه شبان كانوا يستقلون دراجات نارية خلال مشاركتهم في وقفة احتجاجية قرب الثكنة. وأضافت أن قوات الاحتلال تقدمت إلى موقع تجمع الشبان بعد انسحابهم، وأطلقت النار باتجاه الأحياء السكنية في القرية القريبة من الثكنة، من دون ورود معلومات عن وقوع إصابات.
وأوضحت وسائل إعلام محلية سورية أن قوة إسرائيلية مؤلفة من نحو 20 عنصرا توغلت مشيا على الأقدام باتجاه سرية الهاون، التي تبعد أكثر من 400 متر عن الثكنة، بالتزامن مع إطلاق رصاص حي بشكل متقطع باتجاه الأحياء السكنية المجاورة. وقال عدد من سكان قرية معرية لبي بي سي إنهم شاهدوا، ليل الاثنين، جنودا إسرائيليين يتحركون من جهة ثكنة الجزيرة باتجاه سرية الهاون على مسافة تقدر بنحو 400 متر. وأضافوا أن الجنود «أطلقوا النار باتجاه البيوت وبعض الشبان الذين حاولوا منعهم من دخول القرية، وفرقوا التجمع من دون أن يصاب أي شخص بالنيران».
وكانت بلدة عابدين في ريف درعا الغربي قد شهدت ليل الأحد حالة من التوتر والخوف، بعد قصف إسرائيلي استهدف القرية ومحيطها، ما دفع نحو ألفي شخص إلى النزوح مؤقتا نحو قرى مجاورة، بحسب رئيس مجلس بلدية عابدين موفق محمود.
وقال محمود، في تصريح لبي بي سي نيوز عربي، إن الأوضاع في البلدة أصبحت هادئة نسبيا، ما دفع غالبية الأهالي إلى العودة إلى منازلهم وأعمالهم، مشيرا إلى أن عدد سكان البلدة يبلغ نحو أربعة آلاف نسمة. وأوضح أن من غادروا لجأوا إلى منازل أقارب أو معارف في قرى مجاورة، من دون تسجيل حالات نزوح إلى مدارس أو مساجد.
وأضاف أن البلدية لم تسجل أي إصابات أو أضرار مادية وفق المعلومات المتوافرة لديها، مبينا أن حركة النزوح ليلا جاءت نتيجة حالة الهلع التي عاشها الأهالي بسبب تحليق الطيران والقصف وإطلاق النار والقنابل المضيئة، التي قال إن قوات الاحتلال استخدمتها لتأمين انسحابها من المنطقة. وكانت وكالة «سانا» قد أفادت بأن قصفا إسرائيليا استهدف ليل الأحد قرية عابدين ومحيطها في ريف درعا الغربي، من دون أن يسفر عن إصابات بشرية، وسط استمرار تحليق الطيران الحربي والمروحي الإسرائيلي فوق ريفي درعا والقنيطرة. كما ذكرت أن قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك «أندوف» قامت بجولة في قرية عابدين بالتزامن مع عودة عدد من العائلات.
وأدانت وزارة الخارجية والمغتربين السورية، الاثنين، ما وصفته بـ«الاعتداءات الإسرائيلية المتمثلة في التوغلات داخل الأراضي السورية، في محافظتي القنيطرة ودرعا، واستهداف المنطقة بقذائف مدفعية، وما نتج عن ذلك من ترويع للمدنيين». واعتبرت أن ما جرى يمثل «انتهاكا صارخا لسيادة سوريا ووحدة أراضيها، وخرقا جديدا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة واتفاقية فض الاشتباك لعام 1974».
ونشرت «سانا» صباح الاثنين صورا على منصة إكس قالت إنها من قرية تل المغر في ريف درعا الغربي، بعد انسحاب قوات الاحتلال منها، فيما تداول مستخدمون على منصات التواصل الاجتماعي صورا ومقاطع مصورة قالوا إنها تظهر نزوح بعض الأهالي من عابدين وتل المغر عقب القصف الإسرائيلي مساء الأحد. وقال شاهد عيان لبرنامج «يوميات الشرق الأوسط» الذي تبثه بي بي سي إن قوات الاحتلال توغلت عند الساعة الواحدة والنصف فجر الاثنين من ثكنة الجزيرة باتجاه تل المغر، حيث نصبت خياما وركنت آلياتها. وأضاف أن قوات الاحتلال أطلقت النار باتجاه المنازل خلال انسحابها، وأن الأهالي تصدوا لها بالحجارة عندما حاولت فتح الطريق بعد إغلاقه.
وروى شاهد آخر أن الأهالي نزحوا إلى القرى المجاورة بعد تقدم قوات الاحتلال نحو موقعين في حوض اليرموك، مشيرا إلى أن القوات طلبت خلال توغلها إغلاق المحال التجارية، ونصبت حاجزا لتوقيف المارة واستجوابهم. وذكر أن الجيش الإسرائيلي نصب حواجز في نقطتين بين القرى التي توغل فيها بعد ظهر الأحد، ومنع حركة السكان ذهابا وإيابا، وقطع الطرق بين قرى عابدين وجملة والقرى المجاورة.
وشهدت المنطقة توترا متزايدا في الأسابيع الأخيرة، على خلفية توغلات إسرائيلية متكررة في الجنوب السوري، ولا سيما في حوض اليرموك غرب درعا وريف القنيطرة. وقال رئيس مجلس بلدية عابدين إن هذه التوغلات أصبحت، بحسب وصفه، شبه يومية، وتشمل تفتيش منازل واعتقال أفراد ونصب حواجز. وتزامنت هذه التوغلات مع تصريحات رسمية إسرائيلية، بينها تصريحات وزير الدفاع يسرائيل كاتس، التي قال فيها إن الجيش الإسرائيلي سيبقى في مناطق من الجنوب السوري، ولا سيما تلك التي دخلها عقب سقوط النظام السابق.
ومنذ يومين، توغلت آليات إسرائيلية مجددا في قرية عابدين بريف درعا الغربي. وقالت «سانا» إنه بعد انسحاب هذه الآليات أغلق الأهالي الطرق المؤدية إلى القرية بالحجارة لمنعها من العودة. وأوضح محمود أن ما أثار غضب السكان هذه المرة كان محاولة قوات الاحتلال السيطرة على تل المغر، وما يعنيه ذلك، بحسب قوله، من السيطرة على نحو ستة آلاف دونم من الأراضي الزراعية التابعة لعابدين. وقالت «سانا» إن المنطقة شهدت طوال ليل الأحد قصفا مدفعيا وإطلاق نار من مروحيات إسرائيلية، إضافة إلى إلقاء قنابل مضيئة في سماء المنطقة. وذكرت أن قرية عابدين شهدت توغلا وقصفا خلال اليومين الماضيين، فيما شهدت قريتا جملة ومعرية في الريف الغربي لمحافظة درعا حالة من التوتر، وسط مداهمات نفذتها قوات الاحتلال المتوغلة، شملت تفتيش منازل واستجواب مارة.
وأعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، عبر منصة إكس يوم الأحد، أن قوات الفرقة 210 قتلت عددا ممن وصفهم بـ«المسلحين» في جنوب سوريا. وأضاف أن الجيش الإسرائيلي سيواصل العمل في ما وصفه بـ«منطقة التأمين الدفاعية»، لإزالة أي تهديد يستهدف مواطني إسرائيل وقوات الجيش الإسرائيلي، على حد قوله.
وأحصى المرصد السوري لحقوق الإنسان، ومقره بريطانيا، منذ مطلع العام الحالي 37 استهدافا إسرائيليا للأراضي السورية، قال إنها أسفرت عن مقتل خمسة أشخاص وتدمير نحو 13 هدفا، بينها بقايا مستودعات أسلحة وذخائر ومقار ومراكز وآليات.
ونشرت «سانا» مساء الأحد مقاطع مصورة قالت إنها تظهر استجابة فرق الدفاع المدني في المنطقة لمساعدة الأهالي النازحين من المناطق التي تعرضت للقصف والتوغلات الإسرائيلية. وقال رئيس مجلس بلدية عابدين إنه تم تشكيل غرفة عمليات تضم رؤساء بلديات حوض اليرموك، لمتابعة التطورات الميدانية في المنطقة والتعامل معها.
وحذرت وزارة الخارجية والمغتربين السورية من أن «استمرار هذه الممارسات العدوانية يقوّض الجهود الرامية إلى ترسيخ الأمن والاستقرار، ويزيد من معاناة المدنيين في المناطق المستهدفة، وينذر بمزيد من التصعيد والتوتر في المنطقة». ودعت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى «الاضطلاع بمسؤولياتهم، واتخاذ الإجراءات اللازمة لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة، وضمان احترام اتفاقية فض الاشتباك، بما يصون سيادة سوريا ووحدة أراضيها».
وأعربت قطر والسعودية والأردن، في بيانات منفصلة، عن إدانتها للتوغلات الإسرائيلية في محافظتي القنيطرة ودرعا وما رافقها من قصف مدفعي. واعتبرت قطر، في بيان نقلته «سانا»، أن ما جرى يمثل «انتهاكا صارخا» لسيادة سوريا والقانون الدولي، فيما أدانت السعودية «مواصلة سلطات الاحتلال الإسرائيلي انتهاكاتها السافرة في المنطقة»، ودان الأردن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، داعيا المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية.