متابعة / المدى
أطلقت الولايات المتحدة، صباح امس الاثنين، مهمة عسكرية واسعة لتأمين حركة الملاحة في مضيق هرمز تحت اسم “مشروع الحرية”، في ظل تصاعد التوتر مع إيران التي حذرت من استهداف أي قوة أجنبية تقترب من المضيق دون تنسيق معها، ما يعكس هشاشة الوضع الأمني في أحد أهم الممرات البحرية عالمياً. بدأت المهمة الأميركية في توقيت حساس، حيث أعلنت القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم” نشر مدمرات مزودة بصواريخ موجهة في الخليج العربي بعد عبورها مضيق هرمز، مؤكدة أن هذه القوات تعمل بشكل مباشر على دعم استعادة حركة عبور السفن التجارية. وأشارت إلى عبور سفينتين تجاريتين تحملان العلم الأميركي عبر المضيق، مع نفيها تعرض أي من سفنها لهجوم إيراني، في رد على تقارير تحدثت عن استهداف مدمرة قرب السواحل الإيرانية. وتتضمن العملية انتشاراً عسكرياً واسعاً يشمل 15 ألف جندي وأكثر من 100 طائرة برية وبحرية، إضافة إلى منصات غير مأهولة متعددة، في محاولة لإعادة الثقة إلى خطوط الملاحة التي تمر عبرها نحو ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً. وأوضح قائد “سنتكوم” الأدميرال براد كوبر أن هذه المهمة “الدفاعية” ترتبط بشكل مباشر بالأمن الإقليمي واستقرار الاقتصاد العالمي، بالتوازي مع استمرار الحصار البحري المفروض على إيران.
في المقابل، صعّدت طهران لهجتها، حيث أعلنت تحديد نطاق جديد لسيطرة قواتها في مضيق هرمز، يمتد جغرافياً بين السواحل الإيرانية والإماراتية، مؤكدة أن أمن المضيق “بيد القوات المسلحة الإيرانية”. وشددت هيئة الأركان الإيرانية على ضرورة تنسيق السفن العابرة مع قواتها، محذرة من أن أي تحرك دون هذا التنسيق سيُواجه بإجراءات حازمة. كما نقلت وسائل إعلام إيرانية عن مصادر عسكرية إطلاق نيران تحذيرية باتجاه سفينة حربية أميركية قرب ميناء جاسك، فيما تحدثت تقارير أخرى عن إصابة سفينة بصاروخين، وهو ما نفته واشنطن بشكل قاطع. ويعكس هذا التباين في الروايات حجم التوتر والتضارب في المعلومات الميدانية داخل المنطقة. ميدانياً، شهدت المنطقة حوادث متفرقة زادت من تعقيد المشهد، إذ أعلنت كوريا الجنوبية وقوع انفجار وحريق على متن سفينة تابعة لها في المضيق، بينما اتهمت الإمارات إيران بتنفيذ هجوم بطائرتين مسيرتين استهدف ناقلة نفط فارغة تابعة لشركة “أدنوك” قبالة سواحل عمان، دون تسجيل إصابات. كما دوت صفارات الإنذار في الإمارات لأول مرة منذ وقف إطلاق النار، مع إصدار تحذيرات رسمية من تهديدات صاروخية محتملة.
وفي سياق متصل، حذرت مراكز الملاحة الدولية من أن مستوى التهديد في مضيق هرمز لا يزال “حرجاً”، مع وجود ألغام بحرية لم تُعالج بالكامل، ما يجعل المرور قرب المسارات المعتادة “خطيراً للغاية”. كما دعت السفن إلى التنسيق مع السلطات العمانية عبر قنوات اتصال محددة لتفادي المخاطر.
سياسياً، وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب المهمة بأنها “بادرة إنسانية” تهدف إلى مساعدة السفن العالقة، مؤكداً أن واشنطن ستؤمن خروجها من الممرات المائية المقيدة، محذراً في الوقت ذاته من أن أي تدخل سيُواجه بالقوة. وأشار إلى أن العديد من السفن تعاني نقصاً في الغذاء والإمدادات الأساسية، ما يفاقم الوضع الإنساني على متنها.
ورغم الطابع الإنساني المعلن، لا تزال طبيعة المهمة العسكرية غير واضحة بالكامل، خاصة فيما يتعلق بإمكانية مرافقة السفن بشكل مباشر، وهو ما يترك شركات الشحن أمام مخاطر تشغيلية وتأمينية مرتفعة. وتشير تقارير إلى أن عدداً كبيراً من البحارة لا يزالون عالقين في الخليج منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير 2026، وسط ظروف معيشية متدهورة.
على الصعيد الدبلوماسي، تواصل إيران مراجعة الرد الأميركي على مقترح قدمته لإنهاء الحرب خلال 30 يوماً، يتضمن رفع العقوبات وإنهاء الحصار البحري وسحب القوات الأميركية من المنطقة. وفي هذا السياق، برزت باكستان كوسيط محتمل، حيث أجرت اتصالات مع طهران لبحث سبل التهدئة، فيما وصف ترمب المفاوضات بأنها “تسير بشكل جيد جداً” دون تقديم تفاصيل إضافية.
اقتصادياً، تزداد الضغوط على إيران نتيجة الحصار البحري المفروض منذ 13 أبريل 2026، والذي حدّ من صادراتها النفطية. وأشار وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إلى أن طهران حققت إيرادات محدودة لا تتجاوز 1.3 مليون دولار من الرسوم المفروضة على السفن، مؤكداً أن مخزوناتها النفطية ترتفع بسرعة، ما قد يضطرها إلى إغلاق بعض الآبار خلال فترة قريبة. في المقابل، لوّحت إيران بإجراءات جديدة، منها فرض رسوم على السفن العابرة، مؤكدة أن المضيق لن يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب. كما حذرت الولايات المتحدة شركات الشحن من دفع أي رسوم لطهران، مهددة بفرض عقوبات عليها.
في المحصلة، يعكس “مشروع الحرية” محاولة أميركية لإعادة ضبط معادلة الملاحة في مضيق هرمز، لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام احتمالات تصعيد عسكري مباشر، في ظل تمسك إيران بدورها السيادي في إدارة المضيق، واستمرار التوترات الإقليمية دون تسوية واضحة حتى الآن.