متابعة / المدى
تواجه أوروبا واحدة من أعنف موجات الحر المسجلة في تاريخها الحديث، بعدما تجاوزت درجات الحرارة حاجز الأربعين مئوية في عدد من الدول، وامتدت آثارها من فرنسا وسويسرا إلى ألمانيا وبولندا وتشيكيا والمجر، قبل أن تتحرك الكتلة الهوائية الساخنة شرقا، مخلفة وفيات إضافية وضغطا كبيرا على المستشفيات وخدمات الطوارئ والبنى التحتية.
وبينما بدأت فرنسا تخرج تدريجيا من ذروة القيظ الذي خنق البلاد طوال 11 يوما، شرعت السلطات الصحية في إحصاء الوفيات الإضافية التي قد تكون مرتبطة بالموجة. وسجلت وكالة الصحة العامة الفرنسية نحو ألف وفاة فوق المعدل المعتاد منذ 24 حزيران/يونيو، عندما بدأت الحرارة تتجاوز 40 درجة مئوية، مشيرة إلى أن 85 في المئة من الحالات طالت من هم فوق الخامسة والستين، وأن الوفيات داخل المنازل شهدت أعلى زيادة، بلغت نحو 40 في المئة، خصوصا في منطقة إيل دو فرانس التي تضم باريس وضواحيها.
ولم يبق في فرنسا، أمس الأحد، سوى إقليمين في أقصى الشرق تحت الإنذار الأحمر، على أن يرفع التحذير في وقت لاحق مع اندفاع هواء أكثر برودة من الغرب والشمال الغربي. غير أن انحسار الحرارة لم ينه المخاوف الصحية، إذ حذر أطباء ومسؤولون من أن الحصيلة النهائية قد تكون أثقل مما يظهر في الأرقام الأولية.
وقال فيليب جوفان، رئيس قسم الطوارئ في مستشفى بومبيدو في باريس، إنه يتوقع «حصيلة ثقيلة جدا جدا على الأرجح»، موضحا أن عودة العاملين المنزليين ومساعدي كبار السن إلى منازل المعزولين قد تكشف حالات خطرة، بينها أشخاص لم يشربوا ما يكفي من المياه أو تعرضوا لإجهاد حراري شديد، وربما آخرون فارقوا الحياة داخل منازلهم.
أما وزيرة الصحة الفرنسية ستيفاني ريست، فرجحت ألا تكون الوفيات الإضافية مماثلة لما سجلته فرنسا في موجة حر عام 2003، حين توفي نحو 15 ألف شخص، لكنها أقرت بأن البلاد ما زالت أمام عملية تقييم دقيقة لتحديد الأثر الصحي الكامل للموجة.
وفي موازاة الوفيات المرتبطة مباشرة بالإجهاد الحراري، أحصت فرنسا 74 حالة غرق منذ 18 حزيران/يونيو، قال وزير الداخلية لوران نونييز إن كثيرا منها مرتبط بمحاولات الهروب من الحر في مسطحات غير مخصصة للسباحة أو غير خاضعة للرقابة، مثل الأنهار والبحيرات والبرك، إضافة إلى مسابح خاصة.
وفي المنطقة الباريسية، سجلت خدمات الطوارئ زيادة كبيرة في الاتصالات الواردة بلغت 80 في المئة خلال أسبوع واحد، فيما تحدث مسؤولون محليون عن اكتظاظ استثنائي في المستشفيات، وسط وصف الوضع بأنه أزمة صحية حقيقية تفاقمت بفعل ذروة تلوث بالأوزون رافقت موجة القيظ. وتزامن انحسار الحرارة في غرب أوروبا مع انتقال الموجة نحو شمال شرق القارة ووسطها. وتشير تحليلات نقلتها وكالة فرانس برس إلى أن 191 مليون شخص على الأقل قد يتعرضون، الأحد، لحرارة تتجاوز 35 درجة مئوية في وقت ما من اليوم. وسجلت دول عدة أرقاما قياسية، بينها الدنمارك التي بلغت فيها الحرارة نحو 37 درجة مئوية للمرة الأولى منذ بدء تسجيل البيانات عام 1874، والجمهورية التشيكية التي تجاوزت عتبة 40 درجة للمرة الأولى مسجلة 40.6 درجة، وألمانيا التي سجلت 41.5 درجة، في مستوى قياسي جديد. وفي ألمانيا، لم تقتصر القسوة على ساعات النهار. فقد سجلت منطقة كوبشوتس حرارة ليلية قصوى بلغت 29.4 درجة، متجاوزة رقما سابقا بلغ 27.2 درجة في آب/أغسطس 2003، في مؤشر خطير لأن الليالي الحارة تحرم الجسم من فرصة التعافي وتزيد مخاطر الوفاة، خصوصا بين كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة. وفي برلين، أعادت الشرطة استخدام خراطيم المياه للتخفيف من وطأة القيظ في الشوارع.
وتصاعد الضغط على خدمات الإسعاف في مدن ألمانية عدة، بينها كولونيا، حيث قالت السلطات إن استمرار الحر الشديد لعشرة أيام متتالية من دون انخفاض ملحوظ ليلا جعل الوضع خطرا. وخلال 24 ساعة فقط، عثر على سبعة أشخاص فاقدي الوعي داخل منازلهم.
وتتوقع هيئة الأرصاد الجوية الألمانية موجة اضطراب جديدة مع احتمال وقوع عواصف رعدية شديدة في أجزاء من البلاد، ترافقها أمطار غزيرة ورياح قوية وحبات برد كبيرة. ولم تستبعد الهيئة عواصف عنيفة جدا قد تجلب ما يصل إلى 50 لترا من الأمطار لكل متر مربع، ما يعكس انتقال الخطر من قيظ خانق إلى ظواهر جوية حادة ومركبة.
وفي إيطاليا، أصدرت وزارة الصحة تحذيرا أحمر في 18 مدينة، بينها ميلانو وروما وتورينو والبندقية وجنوة وفلورنسا وبولونيا. كما شهد نهر بو انخفاضا كبيرا في منسوب المياه مع تقدم مياه البحر نحو اليابسة، بما يهدد الزراعة والنظام البيئي لأهم مجرى مائي في البلاد. وفي إسبانيا، تحدثت السلطات عن أكثر من مئتي وفاة مرتبطة بموجة الحر.
أما شرق القارة، فيستعد لمرحلة أشد من الموجة. وتعتزم رومانيا إعلان الإنذار الأحمر اعتبارا من الاثنين على القسم الأكبر من أراضيها، وسط توقعات بدرجات حرارة قصوى وليال استوائية تستمر حتى الأول من تموز/يوليو. وقررت مولدافيا المجاورة حظر حركة المركبات التي يزيد وزنها على 12 طنا بين 28 حزيران/يونيو والأول من تموز/يوليو، في محاولة للحد من أضرار الحرارة على الطرق.
وتجاوزت آثار الموجة القطاع الصحي إلى البنى التحتية والطاقة والنقل. ففي سويسرا، جرى إيقاف بعض محطات الطاقة النووية، بينها محطة بيزناو، تحت ضغط الحرارة وارتفاع حرارة المياه المستخدمة في التبريد. وفي ألمانيا، تضررت خرسانة بعض الطرق السريعة بفعل القيظ، فيما تعرضت قطاعات النقل والسكك والفعاليات العامة لاضطرابات وإلغاءات.
وفي سويسرا أيضا، أطلق خبراء الجليد إنذارا من ذوبان مبكر وواسع في جبال الألب. وقال ماتياس هوس، رئيس شبكة مراقبة الأنهار الجليدية في سويسرا، إن البلاد توثق «معدلات هائلة لفقدان الكتلة الجليدية وذوبان الجليد والثلوج في مختلف أنحاء جبال الألب»، مشيرا إلى أن ذلك يحدث قبل ثلاثة أشهر من الموعد المعتاد في الظروف الطبيعية السليمة. ومن المتوقع أن يذوب كل ما تراكم من ثلوج وجليد خلال الشتاء الماضي على الأنهار الجليدية السويسرية بحلول الاثنين، وهو ثاني أبكر موعد مسجل لما يعرف بـ«يوم فقدان الجليد».
ولم تسلم الحياة العامة من آثار الموجة. فقد تأثر أسبوع الموضة الرجالية في باريس بالقيظ، وأثار عرض لدار لوي فويتون انتقادات بسبب موجة اصطناعية عملاقة اعتبرها مستخدمون هدرا للمياه، بينما أكدت مجموعة «إل في إم إتش» أن المياه سيعاد ضخها في شبكة الصرف الصحي. كما ألغيت «مسيرة الفخر» في باريس وليون، وألغي مهرجان «سوليدايز» الموسيقي في العاصمة الفرنسية، ما حرم جمعية «سوليداريتيه سيدا» من نحو ثلاثة ملايين يورو كانت مخصصة لبرامج مكافحة الإيدز.
وفي ألمانيا، ألغت مدينة هامبورغ سباق نصف الماراثون، واختصر مسار سباق الدراجات «آيرونمان» في فرانكفورت، بينما خففت قاعة فيلهارموني في برلين قواعد اللباس، وسمحت للرجال بالتخلي عن السترات ورفع الأكمام بسبب الحرارة الشديدة.
ويؤكد العلماء أن موجات الحر المتكررة لم تعد حدثا طارئا أو معزولا، بل صارت أحد أكثر وجوه التغير المناخي وضوحا في أوروبا. وترتبط هذه الموجات بارتفاع تراكيز غازات الدفيئة الناتجة أساسا عن حرق الوقود الأحفوري، كما قد تتفاقم بفعل تغيرات في أنماط دوران الهواء والتيار النفاث فوق الأطلسي وأوروبا، ما يسمح بتشكل مرتفعات ضغط ثابتة تعرف شعبيا باسم «قباب الحر».
وتحذر أوساط علمية من أن القارة الأوروبية تسخن بوتيرة أسرع من مناطق أخرى في العالم، وأن الاحترار لا يضرب المدن والسكان وحدهم، بل يمتد إلى البحار والأنهار والكتل الجليدية والنظم البيئية. ويقول باحثون إن تغير تركيبة العوالق البحرية ينعكس على السلسلة الغذائية بأكملها، فيما تتراجع الأسماك التي تفضل المياه الباردة أمام ارتفاع حرارة البحار.
وفي مقابلة صحفية، قال عالم المناخ الفرنسي جان جوزيل، نائب رئيس هيئة المناخ التابعة للأمم المتحدة سابقا، إن ما تعيشه أوروبا اليوم هو ما حذر منه العلماء منذ عقود، منتقدا احتمال أن ينتقل المسؤولون السياسيون إلى ملفات أخرى بمجرد انحسار الحرارة. وأضاف أن «الناس يغضون الطرف، لكن الأمر خطر للغاية».