كثير من العلماء العرب يظن أنهم من أصول غير عربية بسبب نسبتهم إلى مواطن أعجمية خارج حدود جزيرة العرب، مثل النيسابوري والبخاري والنسائي والترمذي والسجستاني على سبيل المثال لا الحصر، وكلهم ينتسبون لمدن أعجمية غير عربية ما تسبب في إشاعة الاعتقاد الخاطئ أنهم ينتمون لأصول أعجمية.
بعد الفتوحات الإسلامية تأسست مدن ضخمة مثل الكوفة والبصرة ونيسابور، وهذه المدن أصبحت مراكز علم وسلطة وهوية ثقافية جديدة. فالمدن الجديدة بالنسبة للعرب أصبحت موطنا ثقافيا جديدا. يقول ناجي معروف في كتابه: «القبائل العربية والأسر العربية التي نزحت إلى بلاد المغرب والمشرق كالأسر العربية من القيسية واليمانية التي هُجرت من المصرين: البصرة والكوفة إلى خراسان لتعريبها في خلافة معاوية بن أبي سفيان واستوطنت في تلك البلاد. وكان عددها نحو خمسين ألف أسرة عربية. وكان لهؤلاء فضل كبير في نشر العربية، والدين الإسلامي والحضارة العربية».
إرسال خمسين ألف أسرة ليس بالعدد الهين وهو كفيل بتغيير التركيبة السكانية للمجتمع خلال مدة قياسية، وهي سياسة إستراتيجية قديمة عند الفاتحين العرب، والغرض هو تغيير التركيبة السكانية يضاف لها استحداث «نظام الموالي» الذي سمح لغير العرب بالانضمام إلى قبائل عربية ما أدى إلى تسريع عملية الاندماج الثقافي واللغوي.
انتقل العرب إلى بلدان جديدة كالشام وخراسان والعراق واستقروا هناك لأجيال حتى صار ابن العربي المهاجر ينسب للمدينة الجديدة، وبسبب التحول الحضري الشامل برزت المدن كمراكز ثقافية طغت على تأثير القبيلة عند العرب بمعنى أن العربي أصبح يعرف بالمدينة لا بالقبيلة. فالمدينة أصبحت هوية أقوى من القبيلة، فإذا قيل «فلان النيسابوري» فهذا يعني أين عاش أو أين تعلم أو أين اشتهر ولكن لا يخبرنا من أي قبيلة جاء أو ما أصله العرقي.
أصبحت المدن الإسلامية تحتضن عربًا مهاجرين وموالي مرتبطين بقبائل عربية وتجار وعلماء من مناطق مختلفة، وبعد جيل أو جيلين يذوب هذا التمايز في بوتقة واحدة ويصبح الجميع نيسابوريين أو بصريين أو كوفيين أو بخاريين، ويصبح التمييز بينهم صعبا، والمؤرخون لا يسجلون الأنساب بدقة دائما بل يركزون على العلم والمكانة وبلد الشهرة، والنتيجة يصبح لدينا اسم شهير مثل «مسلم بن الحجاج النيسابوري» ينتسب لمدينة نيسابور ولكننا لا نملك يقينا قاطعا بأصله العرقي. وهذا يؤدي لنتيجة خاطئة وهي اعتبار كل نيسابوري فارسي.
الفكرة التي يقدمها ناجي معروف في كتابه مهمة لأنها تلفت الانتباه لخطأ شائع وهو ربط النسبة الجغرافية بالأصل العرقي مباشرة، فالعرب في الجاهلية وصدر الإسلام حتى العصر الأموي كانوا ينتسبون إلى قبائلهم وعشائرهم ولكن بعد الهجرات العربية الكبيرة إلى العراق وخراسان والشام أصبح الانتساب يميل لصالح المدينة لاعتبارات سياسية واجتماعية وثقافية متعددة.
المقال يسعى لإظهار الحقيقة العلمية: ليس كل من انتسب إلى مدينة أعجمية أعجميا، فكثير من الباحثين المتأخرين وقعوا في خطأ «إسقاط المفاهيم الحديثة على الماضي» وتأثروا بفكرة الهوية القومية الحديثة أو الهوية المرتبطة بالأرض فأصبحوا يفهمون وصف «النيسابوري» كما نفهم اليوم «الفرنسي» أو «الياباني» بينما في الحضارة الإسلامية نيسابور لم تكن دولة قومية يعيش فيها عرق محدد بل مدينة داخل عالم إسلامي مفتوح ومتعدد الأعراق.