متابعة / المدى
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أمس الأحد، أن احتمال تنفيذ ضربات جديدة ضد إيران “وارد” ومرتبط بسلوك طهران، في وقت تسلّمت فيه واشنطن مقترحاً إيرانياً محدّثاً من 14 نقطة عبر وساطة باكستانية، فيما يتواصل الجمود التفاوضي في ظل حصار بحري أميركي حرم إيران من نحو 4.8 مليار دولار من عائدات النفط، بحسب تقديرات “البنتاغون”.
وقال ترامب، تعليقاً على احتمال التصعيد العسكري: “إذا أساؤوا التصرف سنرى، هذا احتمال قد يحدث”، مشيراً إلى أن القرار يتوقف على سلوك طهران.
وجاءت تصريحات الرئيس الأميركي بعد تسلّم واشنطن المقترح الإيراني الجديد المنقول عبر إسلام آباد، الذي يهدف إلى التوصل إلى اتفاق إطاري ينهي الحرب.
وبحسب مصادر مطلعة، يتضمن المقترح مهلة شهر واحد للتفاوض على إعادة فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، وإنهاء الحرب في إيران ولبنان بشكل دائم، وتأجيل استئناف المفاوضات الخاصة بالبرنامج النووي شهراً إضافياً بعد إقرار الاتفاق.
وكان ترامب قد أشار، قبيل مغادرته بالم بيتش إلى ميامي، إلى أنه سيطّلع على الصياغة النهائية للمقترح، قبل أن يعود ليُعبّر عن شكوكه عبر منصته “تروث سوشيال”، مؤكداً أن الطرح الإيراني ليس “مقبولاً” برأيه، ومعتبراً أن إيران “لم تدفع ثمناً كبيراً بما يكفي”.
خيار عسكري مفتوح
وفي السياق نفسه، كشف ترامب أن خططاً عسكرية جديدة طُرحت خلال لقائه قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، الذي توجّه لاحقاً إلى المنطقة والتقى قوات أميركية على متن السفينة البرمائية “يو إس إس تريبولي” في بحر العرب.
ورفعت طهران من لهجتها بالتوازي. وقال نائب رئيس التفتيش في مقر خاتم الأنبياء محمد جعفر أسدي، إن احتمال تجدد الصراع مع الولايات المتحدة “قائم”، متهماً واشنطن بعدم الالتزام بالاتفاقيات، ومؤكداً جاهزية القوات الإيرانية لأي تصعيد.
وشدّد نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي على أن “الكرة في ملعب واشنطن”، داعياً إياها إلى اختيار المسار الدبلوماسي أو الاستمرار في المواجهة، مع تأكيد استعداد بلاده لكلا الخيارين.
ويأتي هذا التصعيد رغم سريان وقف إطلاق النار منذ مطلع أبريل الماضي، عقب نحو 40 يوماً من المواجهات التي شملت ضربات إسرائيلية أميركية وردوداً إيرانية طالت دولاً عدة في المنطقة.
حصار يخنق الاقتصاد
وعلى الصعيد الاقتصادي، تشير تقديرات “البنتاغون”، التي نقلها موقع “أكسيوس”، إلى أن الحصار البحري أبقى 31 ناقلة محمّلة بنحو 53 مليون برميل عالقة في الخليج، وحوّل أكثر من 40 سفينة حاولت عبور خطوط الحصار.
وقال مدير “مشروع ازدهار إيران” وكبير المستشارين الاقتصاديين لولي العهد الإيراني السابق رضا بهلوي، سعيد قاسمي نجاد، لـ”الشرق الأوسط”، إن الحصار “كان أداة مدمّرة وفعّالة بشكل استثنائي للاقتصاد”.
وأضاف أن قطع الوصول البحري إلى الموانئ الإيرانية “خنق حتى الآن أكثر من مليون برميل يومياً من صادرات النفط الخام الإيرانية”، فيما تشير المسارات الحالية إلى أن الضغط سيدفع صادرات النفط الإيرانية “نحو الصفر”، بالتوازي مع خنق قطاعات البتروكيماويات والقطاعات غير النفطية.
وحذّر قاسمي نجاد من أن الأزمة تقترب من “نقطة تحول حرجة”، مرجّحاً أن تستنفد طهران طاقتها التخزينية المحلية بحلول منتصف يونيو، في خطوة قد تضطر النظام إلى خفض الإنتاج، وتهدد بإلحاق “ضرر دائم بالحقول النفطية القديمة”.
جمود تفاوضي
وفي موازاة الضغط البحري، قدّمت طهران عرضها الجديد عبر الوسطاء الباكستانيين، يلين جزئياً شروطها السابقة. فبدلاً من المطالبة برفع الحصار شرطاً مسبقاً لأي بحث، أبدت استعدادها لمناقشة شروط فتح مضيق هرمز بالتزامن مع ضمانات أميركية لإنهاء الهجمات وتفكيك الحصار، على أن يُنتقل لاحقاً إلى الملف النووي مقابل تخفيف العقوبات.
وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد، في إطار جهود الوساطة.
غير أن الفجوة لا تزال واسعة، إذ تطالب واشنطن بوقف تخصيب الوقود النووي الإيراني لفترة قد تصل إلى 20 عاماً، وتسليم مخزون اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60 في المائة، فيما ترفض طهران تنازلات كبيرة، وتتعامل مع ملفها النووي بوصفه آخر أوراق الردع. وأشار ترامب إلى أن الولايات المتحدة لن تنهي مواجهتها مع إيران مبكراً، “ثم تعود المشكلة للظهور بعد ثلاث سنوات ونضطر إلى العودة لمعالجتها مجدداً”.
ورأى قاسمي نجاد أن “التاريخ يشير إلى أن النظام الإيراني سيُعطي الأولوية لبقائه، على تقديم التنازلات”، مرجّحاً أن تنظر القيادة الإيرانية إلى الورقة النووية بوصفها “بوليصة التأمين الأخيرة” لبقاء النظام، ومستبعداً حصول اختراق دبلوماسي كبير قبل أواخر الشهر الحالي من دون تصعيد عسكري إضافي.
منطقة رمادية
وقدّم كبير الباحثين بالشأن الإيراني في “معهد الشرق الأوسط” أليكس فاتنكا قراءة مكمّلة، مؤكداً أن المواجهة الحالية “غير مستقرة أكثر مما هي قابلة للاستمرار”، وأن خطر التصعيد “حقيقي ومتزايد”. ووصف فاتنكا الحصار الأميركي بأنه يقع في “منطقة رمادية” يمكن أن تُشعل صراعاً جديداً عبر سوء الحسابات أو الضغط الاقتصادي المتزايد، لا بالضرورة عبر قرار متعمّد باستئناف الحرب.
وتمتد هذه “المنطقة الرمادية” إلى الجدل القانوني في واشنطن. فقد أبلغ ترامب الكونغرس أن “الأعمال العدائية” مع إيران انتهت منذ وقف إطلاق النار، محاولاً تجاوز مهلة الـ60 يوماً المنصوص عليها في قانون “صلاحيات الحرب” لعام 1973.
غير أن إدارته تواصل فرض حصار بحري، وتُبقي عشرات آلاف الجنود والقطع البحرية في المنطقة، ولا تستبعد ضربات جديدة. وقال ترامب بعد ساعات من رسالته إلى الكونغرس: “أنتم تعرفون أننا في حرب”، مبرراً ذلك بمنع الإيرانيين من امتلاك سلاح نووي.
ورفض الديمقراطيون المنطق الرئاسي، فيما أظهر بعض الجمهوريين، مثل السيناتورة سوزان كولينز والسيناتور راند بول، استعداداً لمساءلة الإدارة، وتحدث آخرون عن ضرورة تفويض جديد إذا استؤنفت العمليات.
ضغوط لاستئناف القصف
وتتزايد الضغوط على ترامب من معسكر يرى أن التفاوض مضيعة للوقت. ودعا الجنرال المتقاعد جاك كين، الذي شغل منصب القائم بأعمال رئيس أركان الجيش الأميركي مع بداية حربَي العراق وأفغانستان، في مقابلة مع شبكة “فوكس نيوز”، الرئيس إلى وقف المسار الدبلوماسي واستئناف القصف.
وقال كين إن القيادة الإيرانية “لا تبالي” بمعاناة شعبها، وإن واشنطن قادرة خلال أسبوعين على إجبار طهران على تغيير موقفها، إذا عادت إلى استخدام القوة، مقترحاً أن تشمل الأهداف الجديدة مواقع قيادية وصواريخ باليستية وما تبقى من البرنامج النووي ومخازن المسيّرات والبنية التحتية للطاقة.
في المقابل، يرى محللون أن المزيد من الضربات قد لا يفضي إلى استسلام النظام، بل قد يدفعه إلى استخدام ما تبقى من أوراقه، كتوسيع إغلاق هرمز وتنفيذ هجمات على ناقلات والتصعيد عبر وكلاء.
معركة الكونغرس وتراجع الشعبية
ويواجه ترامب (80 عاماً) ضغوطاً داخلية متصاعدة، خصوصاً مع استمرار إغلاق المضيق الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية، ما رفع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل، وانعكس على تكاليف الوقود في الولايات المتحدة، وهدّد حظوظ الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي المرتقبة في نوفمبر.
ورغم تأكيد ترامب أنه لا يفضّل الخيار العسكري “من الناحية الإنسانية”، أبلغ قادة الكونغرس أنه لا يحتاج إلى تفويض إضافي لتمديد العمليات، معتبراً أن وقف إطلاق النار السابق أنهى المرحلة القتالية دون أن يُغلق باب التصعيد.
وقالت مديرة مركز الديمقراطية الشاملة في جامعة جنوب كاليفورنيا ميندي روميرو، لوكالة “فرانس برس”، إن “الرهانات مرتفعة جداً”، ووصفت هذه الانتخابات بأنها “لحظة مفصلية” للحزبين الجمهوري والديمقراطي.
وأوضحت روميرو أن التحدي أمام الديمقراطيين لا يقتصر على استعادة السيطرة على الكونغرس، إذ يرددون أن “دونالد ترامب والمسؤولين الجمهوريين يمثلون تهديداً وجودياً لأميركا”. في المقابل، يطمح الرئيس للاحتفاظ بغالبيته البرلمانية لتمرير ما تبقى من برنامجه التشريعي، محذراً بصورة متكررة من أن خسارة الحزب للغالبية ستدفع الديمقراطيين إلى مباشرة آلية لعزله، وعرقلة تعييناته، وفتح تحقيقات بحقه.
وتهدف انتخابات نوفمبر إلى تجديد جميع أعضاء مجلس النواب الـ435 وثلث أعضاء مجلس الشيوخ البالغ 33 من أصل 100 مقعد.
ورأت أستاذة العلوم السياسية في جامعة ماركيت جوليا أزاري أن “الرئيس فقد الكثير من الشعبية، وهذا عادة مؤشر قوي لأداء الحزب الحاكم في انتخابات
منتصف الولاية”.
ويرى كثيرون من الأميركيين أن الملياردير الجمهوري لم يحسّن وضعهم الاقتصادي، فيما لا تحظى الحرب التي أطلقها على إيران بتأييد شعبي، خصوصاً مع ارتفاع سعر البنزين الناتج عنها، ويواجه تنديداً بسياسته المتشددة حيال المهاجرين.
غير أن المعارضة الديمقراطية لا تنجح في حشد الحماس بين الناخبين، وفق أزاري التي قالت إن “الأميركيين مستاؤون من المنحى العام للوضع ومن كلا الحزبين”، مضيفةً أنه “لا بد أن يفوز أحد” في نوفمبر، و”قد نرى الناس غير راضين على الديمقراطيين ولكنهم يذهبون رغم ذلك في هذا الاتجاه”.
فوضى انتخابية
وتتصدر معركة إعادة رسم الخارطة الانتخابية الحملة. وكان ترامب قد طلب عام 2025 من ولايات يقودها جمهوريون إعادة تحديد دوائرها بصورة تبدّد الأصوات الديمقراطية، فيما ردّ الديمقراطيون بإعادة الترسيم في ولايات يقودونها مثل كاليفورنيا وفرجينيا.
وازداد الوضع تعقيداً بقرار المحكمة العليا، التي يهيمن عليها المحافظون، الحدّ من ترسيم الدوائر المؤاتي للأقليات، فيما أعلن حكام جمهوريون لولايات جنوبية كلويزيانا وألاباما اعتزامهم إعادة ترسيم دوائرهم للقضاء على مقاعد ديمقراطية، في ما وصفته أزاري بـ”فوضى انتخابية” مثيرة للقلق.
خلاصة المشهد
وتُجمل المعطيات أن الحصار الأميركي نقل الضغط من السماء إلى البحر، ومن تدمير الأهداف إلى خنق الموارد، لكنه لم يحسم بعد السؤال السياسي الأهم: هل يمكن إجبار نظام يرى برنامجه النووي ضمانة بقائه على التخلي عنه عبر الاختناق الاقتصادي وحده؟
ويرى قاسمي نجاد أن استعادة حرية الملاحة بشكل دائم قد تتطلب ربط الحصار “بعمليات عسكرية أكثر حسماً على الساحل الجنوبي الإيراني” لكسر مأزق “الحصار المزدوج”، فيما يحذّر فاتنكا من أن الجمود نفسه قابل للاشتعال.