فلتحليل البدائل الفكرية لا بد فيه من بحث الإشكال الأصلي الذي كان في الأفكار التي اقتات عليها النِّظام الإيراني، وأين تقاطع وأين اختلف؟ فقد كان (ميشيل فوكو) أحد الفلاسفة اليساريين الذين لفتتهم الثَّورة الإيرانية وزار إيران في مرحلة الاضطرابات قبل نجاح الثَّورة 1979 وكتب عنها، وبنظرة ثاقبة لخَّص أحد عوامل جاذبية الخميني في نظر أتباعه في مقال له حمل عنوان (جنون إيران) كتبه سنة 1978، فمما لاحظه أنَّ (الخميني لا يقول شيئًا، لا يقول شيئًا آخر سوى: لا للشاه، وللنِّظام، وللتبعية) هو جانب مهم للغموض والتَّسطيح السِّياسي، الذي عمل عليه خطاب الثَّورة الخمينية إذ كان بكلمات قليلة التَّعقيد، يرفض التبعيَّة، ويرفض النِّظام السِّياسي القائم، مهما اختلفت الحلول، أراد لها أن تتقاطع مع فكرة الرَّفض للوضع القائم!
إنَّ رصد أنَّ الخميني لا يقول شيئًا سوى: لا للشاه وللتبعية، هو نفسه الذي يقال بعدَه، لم يقل الإخوان أكثر من يسقط النِّظام في 2011، ولم تقل حماس سوى لا للاحتلال في حرب 2023، لكنَّ الشعارات المسطِّحة التي لا يكاد يخالف فيها أحد من العقلاء تخفي تحتها برامج فكرية وسياسية، وكان ينبغي أن يُساءل أصحابها عنها، ولكنَّها اقتنصت غياب التَّفكير النَّقدي والتَّحليلي في الأتباع، وفي حالة الخميني والإخوان كان هناك فرنسي آخر غير (ميشيل فوكو) قد درس الجانب الفكري للأفكار السِّياسية للنِّظام الإيراني بتدقيق أكبر، وهو (أوليفييه روا) وخصَّص لذلك عِدة كتب منها (تجربة الإسلام السِّياسي).
ويرى (روا) أنَّ هناك إطارًا عامًّا تشترك فيه تلك الحركات بما فيها النظام الإيراني، وتتقاطع مع أفكار سيِّد قطب، وجماعة الإخوان المسلمين، ويعدُّ تلك الأفكار (نزعة عالم ثالثية) لا ترى في التَّقدم الغربي نموذجًا، وليست بالضَّرورة تراثية، بل شكَّلت طليعة ثورية للعالم الثَّالث بعد الماركسية والقومية، فكانت تلك الأفكار قد انطلقت فعليًّا وسيطرت على كثير من المجتمعات مع انهيار الاتحاد السوفيتي أول التِّسعينات، ولاحظ أنَّ الجانب الثَّوري يرتكز على فكرة محدَّدة: أسلمة المجتمع عبر سلطة الدَّولة، مع متخيل لم يحدث مرَّة أن نجح، بل المفارقة أنَّ وصول جماعة من (جماعات الإسلام السِّياسي) إلى السلطة لن يعمل على الوحدة بل سيكون ضدَّها، وهو ما أثبتته الثَّورة الإيرانية، وغيرها من التَّجارب.
إنَّ أهم ما تكشفه دراسات (روا) يكمن في الأفكار السُّلطوية الدَّاخلية في تلك الجماعات، فرغم رفضها للتَّبعية للشاه في حالة الخميني، أو المناداة بالحاكمية كما هو عند سيِّد قطب، إلا أنَّ تلك الجماعات كانت سلطوية مطلقة في تعاملها الدَّاخلي مع أتباعها، ويلخِّص هذا (روا) بقوله: (كلَّما كان الحزب جذريًا أو راديكاليًا كان حضور الأمير فيه مركزيًا)، فكلُّ المؤسسات التَّعليمية يحظى فيها المعلِّم أو المربِّي بدور محترمٍ داخلها، لكنَّ هذا لا يعني بحال أنَّه يملك سلطة (الأمير) على أتباعه، بخلاف الحالة في مثل الخميني وسيد قطب وحسن البنا وأمثالهم!
فقد أقاموا نظامًا داخليًّا للأيدلوجيا وإن تقاطع في التَّسمية مع غيره مثل (طلب العلم) لكنَّهم في الواقع حازوا مكانة الأمراء على أتباعهم، لم يكونوا ينشرون أفكارًا مجرَّدة، بل يعملون على بسط نفوذهم وسلطتهم على أتباعهم، وهي طريقة عملوا وفقها على اختراق الجامعات، بتحويل الأساتذة فيها إلى أمراء على الطُّلاب لا مجرَّد مدرسين، كان سيد قطب أحد الذين ضاق عليهم الخناق بالتَّفكير الحرِّ والنَّقدي فصرَّح في كتابه (معالم في الطَّريق) بأنَّ الرَّعيل الأول كانوا يسألون لينفِّذوا مثل الجندي يتلقَّى أمرًا عسكريًا، هو تصوُّر مهم في شكل التَّعليم الذي يمكنه أن يفرز طليعة عالم ثالثية، حين يزاحم المدرِّسون السُّلطة، عبر تحويل التَّدريس أو الإرشاد إلى إمارة، لا مجرد نقل معلومات، ونصائح غير ملزمة، وهذا أوَّل ما يمكن تسميته كما فعل تقي الدِّين النَّبهاني-مؤسس حزب التَّحرير-في عنوان كتاب له (التَّكتل الحزبي)!
ولتلافي العتبة الأولى في تلك التَّكتلات التي تبتعد عن المعرفة والعلم، وتلتصق بالأيدلوجيا، لا بدَّ من تعزيز التَّفكير النَّقدي، والفصل بين مرتبة المدرِّس أو الأستاذ وبين مرتبة الأمير بمعناه السِّياسي، والسَّعي إلى تنوُّع الآراء في الطُّلاب، فما قدَّمته تلك الجماعات نموذجًا للأستاذ الشُّمولي، بمعنى أنَّه لا يدرِّس مادة فقط، بل يخلطها بتحليله السِّياسي، وآرائه المسطَّحة، وكلما اقترب أكثر من شريحة أقلَّ نقدًا وتفكيرًا فيما يقول، يكون قد حاز عليهم سلطةً وتأثيرًا يتجاوز دور المدرِّس والأستاذ ليزاحم وقتها مرتبة الأمير في نفوسهم.