الإجابة على هذا السؤال تمثل التحدي الحقيقي، وهي التي ستحدد شكل المستقبل، أمنيًا، بل إستراتيجيًا وتنمويًا على المدى البعيد.
سأتحدث هنا بصراحة وشفافية كاملة، فمن باب الإنصاف، إذا كانت كثير من التحليلات التي طرحناها خلال السنوات الماضية قد تحققت بفضل الله وحده وبتفاصيلها، فإن من الواجب طرح ما نراه من توصيات قد تكون حيوية لمستقبل المنطقة:
أولًا: تبني مفهوم الردع الحقيقي
قبل ما يقارب عقدًا من الزمن، دعونا بشكل واضح إلى ضرورة تبني إستراتيجية الردع بمفهومها الشامل، وليس الاكتفاء بالسياسات الدفاعية التقليدية أو الاتكال على التحالفات. وللأسف، لم يُفهم مفهوم «الردع» لدى البعض بصورته الواقعية، حيث تم التركيز على الدفاع دون استكمال أركان الردع الأساسية في الاستخدام. وقد كتبنا مرارًا، مقالات ودراسات بالعربية والإنجليزية، للاستزادة مقالات مثل (الردع الدفاعي والهجومي…)، وفصلنا أيضا المعادلة الأفضل حول «الردع التقليدي» المناسب لدول الخليج وأهميته الإستراتيجية. لكن في ذلك الوقت، لم يكن من السهل أن يُستمع إلى هذا الطرح، خصوصًا عندما يصدر من مدني خارج الأطر العسكرية التقليدية.
ثانيًا: استيعاب التحول الجذري في طبيعة الحروب
أثبتت الحرب الأخيرة بشكل قاطع أن الحروب الحديثة لم تعد تُدار بالأساليب التقليدية. نحن أمام واقع جديد تُحكمه الطائرات المسيّرة، والصواريخ بمختلف أنواعها، بما في ذلك فرط الصوتية، والذكاء الاصطناعي، والاستخبارات -وما أدراك ما الاستخبارات- إلى جانب أنظمة الدفاع الجوي ومضادات الدرونات. لقد كررنا هذا الطرح مرارًا في مقالات سابقة، ودعونا بشكل مستمر إلى الاستفادة من دروس الحرب الأوكرانية.
لكن الأهم من ذلك هو فهم «اقتصاد الحرب». فليس من الكفاءة، في كثير من الحالات، استخدام صاروخ دفاعي بتكلفة 4 ملايين دولار لاعتراض طائرة مسيّرة لا تتجاوز قيمتها 50 ألف دولار. بل إن الواقع الجديد يُظهر أن مسيّرة لا تتجاوز قيمتها 500 دولار قد تكون قادرة على تدمير دبابة أو مدرعة بملايين الدولارات. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل ما زالت الدبابات والمدرعات مثلًا تحتفظ بدورها التقليدي، أم أننا أمام أفول تدريجي لبعض أنماط التسليح؟ في بعض الأحيان عندما تكون خارج المعمعة تكون قدرتك أفضل على الرؤية بزاوية مختلفة ! في الأخير سواء مدني أو عسكري هدفك خدمة البلد والمنطقة !
ثالثًا: فهم الواقع الدولي وفق «الواقعية الجديدة».
سواء اتفقنا أم اختلفنا، فقد أثبتت هذه الحرب أن النظام الدولي يُدار وفق منطق Neorealism (الواقعية الجديدة). جميع مرتكزات هذه المدرسة ظهرت بوضوح في هذه الحرب: عالم فوضوي (Anarchic)، كل دولة مسؤولة عن أمنها، لا مكان للضعفاء، والمصالح تتقدم على المبادئ، ومن لا يأكل بيده يجوع… وغيرها من المبادئ التي وضعتها مدرسة (النيوريلازم).
وقد أسس لهذه المدرسة أستاذنا المفكر كينيث ولتز، الذي وضع قواعد واضحة لفهم سلوك الدول في النظام الدولي.
ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري لكل دبلوماسي أو صانع قرار أو عسكري خليجي أن يكون ملمًا بهذه المدرسة بشكل عميق، لأنها تمثل واقعيًا الإطار الذي تُدار به السياسات الدولية اليوم. كما يجب إدراك أن إيران، بحكم طبيعة نظامها، قد تُناور أو «تنحني للعاصفة»، لكنها نادرًا ما تغيّر جوهر سلوكها. لذلك يجب أن يعامل النظام الإيراني على الواقعية السياسية الجديدة وليس الأمنيات والوعود، والتاريخ القريب يقدم شواهد واضحة على ذلك، سواء في كيفية توظيف الموارد أو في استمرار النهج التوسعي، مثلا ما ذكره سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان: إدارة أوباما سلّمت النظام الإيراني 150 مليار دولار، والحرس الثوري ما بنى بيها حتى شارع واحد!.
فلا يتوقع أحد أنه إذا انفتحت إيران بعد الحرب أن تزرع الورد ! هناك حقد دفين (شخصي) على الخليج، فلا يوجد تفسير منطقي واحد يفسر حوالي 85 %من الصواريخ والمسيرات الإيرانية هوجم بها الخليج ككل بينما إسرائيل حوالي 15 %مع أن الخليج آخذ الحياد ! ومن المهم أيضًا الإشارة إلى أن مفهوم «الحياد» في العلاقة مع إيران يبدو عمليًا غير قابل للتحقق، إذ إن سلوكها الإقليمي يعكس نمطًا لا يعترف بالحياد بقدر ما يفرض معادلاته الخاصة.
رابعًا: إعادة صياغة العلاقات الدولية بمنطق المصالح
إذا كنا نتحدث ضمن إطار الواقعية الجديدة، فإن علاقات دول الخليج مع القوى الدولية والإقليمية تحتاج إلى مراجعة عميقة، بحيث تُبنى على أسس واضحة من المصالح المتبادلة، لا على افتراضات أو رهانات غير مضمونة. العالم لا يعمل وفق النوايا والوعود، بل وفق توازنات القوة والمصالح.
خامسًا: مراجعة منظومة الاستشارات والتخطيط الإستراتيجي
ثمة حاجة ملحة لإعادة تقييم دور بعض المستشارين والمخططين الإستراتيجيين. فهناك بعض المحليين من لا يزال أسير مدارس تقليدية لم تعد تواكب التحولات الحديثة، ويرفض التحديث بحجة الخبرة أو الخلفية العسكرية التقليدية. وفي المقابل، هناك مستشارون أجانب قد يدفعون عن قصد أو غير قصد نحو نماذج إنفاق عسكرية غير فعالة، مثل تضخيم ميزانيات الدعم والاتصال العسكري على حساب الفعالية القتالية، (أسلحة دون أنياب) أو التوصية بشراء منظومات تسليح ذات طابع استعراضي أكثر من كونها عملية.
ختامًا:
هذه الحرب ليست مجرد حدث عابر، بل هي «نداء استيقاظ» حقيقي لدول الخليج بكل ما تحمله من دروس، سواء كانت إيجابية أو مؤلمة. لقد كشفت الكثير، وأعادت ترتيب الأولويات، ووضعت الجميع أمام واقع لا يمكن تجاهله.
وربما كان ما يلفت الانتباه شخصيًا هو دقة تحقق بعض السيناريوهات التي طرحناها قبل سنوات، وهو ما يدفعني كسعودي وكخليجي وكإنسان يحمل مسؤولية فكرية تجاه منطقته إلى كسر فترة التوقف عن الكتابة، والمساهمة بما أستطيع، لعلنا نوفق في طرح ما ينفع، ويُلهم لصناعة مستقبل أكثر وعيًا واستعدادًا.